تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٧ - سورة السجده(٣٢) آية ١٤
الاستعدادات و فقدان الأسباب الموجبة إلى نحو كمالي من الوجود، فإن للوجود و الحيوة و النورية مراتب متفاوتة، و مقابل كل مرتبة منها مرتبة من العدم و الموت و الظلمة.
فحياة أهل الايمان مطلقا مرتبة لا يكون لغيرهم لاختصاصهم
بقوله صلى اللّه عليه و آله: المؤمن حيّ في الدارين.
و حيوة الشهداء مرتبة اخرى فوقها لقوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [٣/ ١٧٠] و حيوة الأولياء مرتبة فوق الجميع
لقوله صلى اللّه عليه و آله: «أبيت عند ربي يطعمني و يسقيني» [١]
و هم الذين قال تعالى فيهم: «من قتلته فأنا ديته» أي حياته.
و فرق بين من يكون مرزوقا عند الرب تعالى و من يكون يطعمه و يسقيه ربه و كذا فرق بين من يكون حيا عند الرب و من يكون حياته بالحق تعالى.
و بإزاء كل من هذه الأقسام للحياة قسم من الموت، كما قال اللّه تعالى للكفار لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [٢٥/ ١٤].
فالمراد بنسيان المجرمين إياه تعالى هاهنا موت الجهل، لأن معرفته و معرفة اليوم الآخر يؤديان إلى حيوة الآخرة بلقاء اللّه، لأن ذات اللّه تعالى مبدأ الأشياء و غايتها و المعرفة هنا بذر المشاهدة هناك، لأن الدنيا مزرعة الآخرة و نسيانه تعالى إياهم لازم، لأنه عبارة عن عدم إفاضة نور الحق عليهم لعدم خروجهم عن غلاف البشرية و حجب الشهوات و التعلقات بالأجرام الكثيفة الدنياوية حتى صاروا عين هذه الحجب و قيل: النسيان هنا بمعنى الترك، أي تركتم ذكر العاقبة، فتركناكم من الرحمة.
و اعلم إن السعادة الإنسانية منوطة بشيئين: بالعلم الذي هو عبارة عن الايمان
[١] البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة: ٩/ ١١٩. و رواه أصحاب الصحاح راجع المعجم المفهرس: ٢/ ٤٨١.