تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ٥
منهما صورة الصور في هذا العالم و مادة المواد في عالم الآخرة، و كل منهما برزخ جامع بوجه و حد فاصل بوجه، و خط واصل و صراط ممدود على متن جهنم، و طريق مستقيم إلى اللّه تعالى، و كل منهما بمنزلة سور ذو بابين، باب داخلي إلى عالم الرحمة و الرضوان، لا يلج من يلج ملكوت السموات إلا من هذا الباب، و باب خارجي إلى عالم المقت و النيران، لا ينزل ما ينزل إلى منازل الشياطين و مزابل الملاعين إلا من هذا الباب كما أشير إليه في قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [٥٧/ ١٣] و اللّه أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب.
قوله سبحانه: [سورة السجده (٣٢): آية ٥]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)
«الأمر» هو وجود الأشياء في أنفسها، و تدبير الوجود المطلق من اللّه تعالى هو إفاضته بالفيض الايجادي المعبّر عند بعض العارفين بالنفس الرحماني، فإن علمه تعالى بالأشياء عين موجوديته لها.
و قوله: «مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ» إشارة إلى الموجودات الواقعة في سلسلة البدو و الصادرة على سنّة الإبداع من غير مدخلية الحركات و الاستعدادات، إذ الوجود ابتدأ منه بأن أبدع أولا عقلا قدسيا مع ما يتلوه في الشرف من العقول القادسة، و عالمها عالم القضاء و عالم القلم الأعلى، ثم أبدع نفسا كليا متعلقا بالفلك مع سائر النفوس الفلكية التي دونها في الشرف، و عالمها عالم القدر و عالم اللوح المحفوظ، ثم الصور النوعية و قواها و كيفياتها، ثم الصور الجرمية الامتدادية، ثم الهيوليات الفلكية و العنصرية، واحدة للعنصريات و التسع الباقية للفلكيات، لأنها تسع جمل