تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢ - مقدمة المؤلف - أشرف العلوم الحكمة
أو طبيعة فهو إنما يكون من جنس فاعله و غايته، و يناسب بذره و ثمرته، و لا تفاوت بينهما في المآل إلا بحسب النقص و الكمال، كيف و الأول أول الحركة كالبذر و الآخر غايتها كالثمرة، و الوسط مسافتها كالشجرة، و المسافة تشبه الطرفين و الوسط يناسب النهايتين.
و تحقق عند المحققين ان غاية كل فعل ذي غاية هي فاعل لفاعله، فالبنّاء من حيث هو صاحب ماهية يكون من صورة البيت و ماهيته، إذ مبدأ حركته هو من حيث تصور في ذاته أو في قوة من قوى ذاته كالخيال صورة الدار و غيرها على وجه الوضوح، و هي الملكة الصناعية التي ينشأ منها فعل البناء من غير كثير تجشّم و رويّة، و لرسوخها في الذهن تصير منشأ لصورة خارجة، هي أشد حصولا، لكونها حاصلة بامداد مبدأ علوي هو بالحقيقة العلة المفيضة، و الصورة الذهنية هي شبيهة بالمبدإ الفياض، الذي هو فعّال لما يشاء و مختار لما يريد، و ذلك لحصول جميع الأنواع فيه على ضرب مقدس عقلي فعلي مرتفع عن المواد، شديد البرائة عن الجسمية و القوة و الاستعداد، فالملكة الصناعية التي ينشأ منها فعل محكم من غير كثير روية و تجشم هي تشبه بالصانع الحكيم و البديع العليم.
و من هاهنا قيل إن الصنعة تشبه بالطبيعة، فالباني لدار مثلا- من حيث هو بان لها هو صورة الدار بعينها، إلا انها لضعف وجودها الذهنية تتحرك من النقص إلى الكمال بإمداد العقل الفعال، و به تنتقل من هذا التخيل بالتحصل العيني إلى حد الاستكمال فإذا تم العمل صار هو صورة بنائية عينية قوية الوجود، قريبة المناسبة إلى المقصود، بل بوجه إلى الواهب المعبود، إذ فيه منشأ كل كمال و خير وجود.
و الحداد من حيث هو حداد عين الصورة الحديدية و هي كمالها، و الطبيب المعالج من حيث هو معالج هو خادم مزاج الصحي الطبيعية، و مرتبته مرتبة الكيفية المزاجية، لا الصورة الحيوانية أو الإنسانية، فإنها بعيدة عن غاية هذه الصناعة، بل لها مبدأ آخر أجل من الطبيب و ماهيته و غايته، و هو حافظ هذا النظام بكلاية الأنواع على كمالها الأتم، تشبها بالصانع الأول و تقربا إليه و زلفى لديه جل مجده.