تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٢ - لعمة إلهية
و إما لكدورة في المرآة- كالأبصار التي عليها غشاوة- و هذا مثال نفوس العصاة من الناس الذين على قلوبهم و على أبصارهم غشاوة. أي على عقولهم و على أبصارهم التي بها يحصل معرفة اللّه و ملكوته غشاوة المعاصي و الشهوات التي بها يقع الحجاب من شهود معرفته تعالى.
و إما لاعوجاج و انكسار في المرآة تقع الصورة فيها على خلاف ما هو الواقع- كما في الحول و غيرها من الأمراض العينيّة التي يقع بسببها الغلط في رؤية ما يتنوّر بنور الشمس من حقائق الأجسام- و هذا مثال نفوس الجاحدين للحق، المتعصبين لمذاهب تقليديّة رسخت في نفوسهم من أول الأمر بحيث لا يمكن زوالها أصلا، فتظهر لبصيرتهم الحولاء و فطنتهم العوجاء صور الحقائق المستنيرة بنور اللّه تعالى على خلاف ما هي عليها، و إلا فالحق متجلّ على كل شيء.
كقوله- و هو أصدق القائلين-: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [٥٠/ ١٦].
و
في الحديث النبوي صلى اللّه عليه و آله و سلم: إنه تعالى فوق كل شيء و تحت كل شيء و قد ملاء كل شيء عظمته فلم يخل منه أرض و لا سماء و لا بحر و لا برّ و لا هواء، هو الأول لم يكن قبله شيء، و هو الآخر ليس بعده شيء، و هو الظاهر ليس فوقه شيء ٧٣، و هو الباطن ليس دونه شيء فلو دلّي على الأرض السفلى لهبط على اللّه. [١]
و في طريق أهل البيت عليهم السّلام أحاديث كثيرة متقاربة المعنى قريبة من معنى هذا، و كذا حديث قرب النوافل. ٧٤ و
قد روي عن موسى- على نبينا و آله و عليه السلام-: أ قريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فانّي أحس حسن صوتك و لا أريك فأين أنت؟
فقال اللّه: أنا خلفك و أمامك، و عن يمينك و شمالك، أنا جليس عند من
[١] جاء ما يقرب منه في الدر المنثور: ٦/ ١٧٠. و الترمذي: كتاب التفسير، سورة الحديد:
٥/ ٤٠٣.