تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٨ - مشكوة فيها مصباح
و ثالثها: إنه جاء على طريق الاطماع دون التحقق، لئلا يتكل العباد مثل:
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [٦٦/ ٨].
و رابعها: إنه وقع «لعل» موقع المجاز لا الحقيقة، لأن اللّه عز و جل خلق عباده ليستعبدهم بالتكليف و ركب فيهم العقول و الشهوات و أزاح العلل في أقدارهم و تمكنهم، و هداهم النجدين، و أراد منهم أن يتقوا و يتوبوا إليه ليرجّح أمرهم و هم مختارون بين الطاعة و العصيان، كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل و أن لا يفعل، و نظيره قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [١١/ ٧] و قيل: لعل بمعنى «كي» و وجّه بأنها للإطماع، و الإطماع من الكريم يجري مجرى المختار.
و خامسها: ما قال القفال و هو أن في «لعل» معنى التكرير و التأكيد، إذ اللام للابتداء، نحو «لقد» و لقولهم «علّك» أي تفعل كذا و «علّ» يفيد التكرير، و منه العلّ بعد النهل، فقول القائل: «افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك» معناه: افعل فإن فعلك يؤكد طلبك و يقويك].
و أما ما ألهمنى اللّه به و قذف في قلبي من نوره، و هو أن لعلم اللّه تعالى و إرادته مراتب متفاوتة في النزول، فكما ان لعلمه مرتبة كمالية هي نفس ذاته بذاته، إذ بذاته يعلم جميع الأشياء الكلية و الجزئية، و هذا العلم ليس متكثرا بل علم واحد اجمالى، هو واجب بالذات و هو مرآة كل الحقائق و مجلى جميع الرقائق، و بعد ذلك مرتبة تفصيل المعقولات الكلية، و هو مرتبة القضاء الإلهى و هي مفاتيح الغيب، لقوله: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [٦/ ٥٩] و هي أيضا خزائن الرحمة لقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [١٥/ ٢١] ثم بعده مرتبة الجزئيات و الشخصيات المقدرة بأوقاتها و أزمنتها المثبتة بهيئاتها في كتاب لا يجلّيها لوقتها إلا هو، و هذه المرتبة «عالم القدر» لقوله: وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [١٥/ ٢١] و هذا هو «كتاب المحو و الإثبات» كما ان السابق «اللوح المحفوظ» لقوله: يَمْحُوا