تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٩ - تتمة
و التوسع في لذاتها و شهواتها مرتبطة بنسيان الحكمة و ترك التدبّر في الآيات و فهم المعارف و البيّنات، لقوله: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [٦/ ٤٤] الآية و أما قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [٦/ ٤٩] فهو إشارة إلى عاقبة هذه اللذات الدنياوية، فالإعراض عن الحكمة و المعرفة و التكذيب بالآيات البينات مما يفتح على النفس أبواب التنعّمات في الدنيا، و حقيقة هذه الشهوات ليست في القيامة إلا صورة النار و الحسرة و الندامة، و الدنيا هاهنا متاع قليل، و في الآخرة عذاب شديد، و ذلك قوله تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ [٢/ ١٢٦].
و قس على ذلك أيضا قوله: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [٢٠/ ١٢٤] فإن المراد من تلك المعيشة الضنك ما هي بحسب النشأة الآخرة، و لهذا عقبّه بقوله: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى* قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [٢٠/ ١٢٤- ١٢٦] و العاقل ينبغي أن يرجع إلى ذاته و يتأمل في نفسه، و يطرد عن باطنه التعصب و العناد و الاستكبار، و السكر الحاصل له بجاه مستحقر و اشتغال بعلوم جزئية فينحصر عنده الآيات الدالة على حقيقة القرآن و وصفه، و ماهية الرسول المنزل إليه كتاب اللّه و نعته، بحسب ما هو الداخل في قوام كل منهما غير الأوصاف الخارجة عن ملاك الأمر فيهما، فيرى هل يجد فيها دلالة على فضلهما و شرفهما إلا من جهة مزية علمية، و فضيلة حكمية لهما على سائر الكتب و سائر الناس، لا أظن عاقلا في مرية من هذا.
و هي كقوله تعالى في نعت القرآن: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٥/ ١٥- ١٦].
و كقوله في نعت الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [٦٢/ ٢].