تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠ - تلويح عرشي
و
روي أيضا: إنه سئل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم [١]: أين اللّه؟ فقال: «في قلوب عباده»
فعليك أن تتفحّص القلب الإنساني، فإذا وجدت و صرت ذا قلب فقد وجدت بيت اللّه، لأن الروح محل معرفة اللّه، و
قلب المؤمن عرش اللّه
و هو لطيفة صافية ينبعث من صفوة الأخلاط الأربعة و بخاريّتها و دخانيتها، كما إن السماء و هي دخان حاصلة من صفو الأجرام و دخانيتها.
الثاني: كونهما بين إصبعين من أصابع الرحمان، و الإصبعان هما النفس و العقل، المحركان للأشياء، أحدهما بالمباشرة و التدبير، و ثانيهما بالإمداد و التشويق، و هما ملكان مقربان روحانيان، أحدهما عقلي و الآخر نفسي، أما كون العرش بينهما فلما ثبت أن وجوده بعد القلم و اللوح المعبّران عن العقل و النفس و القضاء و القدر، و أما كون القلب بينهما فلكونه مسببا عن القوة العاقلة و العاملة من الروح الإنساني.
الثالث: اشتراكهما في السعة و الإحاطة، أما العرش فلقوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [٢/ ٢٥٥] و العرش وسع الكرسي فيكون أوسع منه و مما يحويه و يسعه، و لكثير من الأحاديث الدالة على أن العرش محيط بما في هذا العالم الجسماني، و أما قلب العارف
فلقوله تعالى [٢]: «لا يسعني أرضي و لا سمائي و لكن يسعني قلب عبدي المؤمن».
و أنت إذا تأملت في احضارك لكل شيء تريده في قلبك، من الأفلاك العظيمة و الكواكب بأي مقدار و عدد شئت، و إخطارك الصحاري الوسيعة في بالك بأي سعة شئت، و الخلائق الكثيرة بأي كثرة شئت، فلا تتعجب في قول أبي يزيد البسطامي:
«لو أن العرش و ما حواه ألف مرة دخل في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به» و ما قيل: إن العرش مع نسبته باستواء الرحمانية كحلقة ملقاة بين السماء و الأرض
(١- ٢) قال العراقي (ذيل احياء العلوم: ٣/ ١٥): لم أجده بهذا اللفظ. و
للطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني يرفعه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «إن للّه آنية من أهل الأرض، و آنية ربكم قلوب عباده الصالحين ... الحديث».