تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩ - تمهيد فيه تشييد
و المآل لوجدان العاجل و الحال، و هو مع عظمة قدر حقيقته و مغزاه و رفعة سره و معناه، مما تلبّس بلباس الحروف و الأصوات و اكتسى بكسوة الألفاظ و العبارات، رحمة من اللّه و شفقة على عباده و تأنيسا لهم، و تقريبا إليهم، و إلى أفهامهم و مداراة معهم و منازلة إلى أذواقهم. و إلا فما للتراب و رب الأرباب. ففي كل حرف من حروفه ألف غنج و دلال، و غمز و جلب قلوب لأهل الأحوال، فوقع فيه النداء لتخليص الأسراء من قيد هذا المهوى، و سجن هذه الدنيا، بقوله: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٥١/ ٥٥].
فبسطت شبكة الحروف و الأصوات، مع حبوب المعاني لاصطياد طيور السموات، و لكل طير من طيور النفسانية رزق خاص معلوم، كما لكل ملك في السماء و الأرض مقام معلوم، يعرف ذلك منشيها و مبدعها، و إنما الغرض الأصلي من بسط الشبكة في الأرض اصطياد نوع خاص منها برزق مخصوص معلوم من العلوم، و لب حب خاص من لبوب الحبوب دون غيرهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٢/ ٦] و إلا فما من رزق إلا و يوجد في القرآن نوع من لبه و قشره و أصله و فرعه و سنبله و تبنه، متاعا لكم و لأنعامكم، لقوله تعالى: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [٦/ ٩٥].
فكما يوجد فيه من الحقائق الربانية القدسية، التي كانت معرفتها غذاء للأرواح العالية العقلية، ففيه أيضا يوجد المعارف الجزئية، و الأحكام السياسية، و القصص و الأخبار، و الحكايات التي ينتفع بها المتوسطون في درجة النجاة من عامة أهل الإسلام، الذين لهم في النشأة الثانية ضرب من الحيوة، دون المرتبة التي للهداة المقربين، الأحياء بالحياة العقلية بالذات، ففيه الأغذية الروحانية و الجسمانية الأخرويتين، المبقية للحياتين العقلانية و النفسانية، لأهل المنزلتين و الجنتين.
و فيه أيضا ما به صلاح هذه النشأة الدنياوية، كالقصاص و الديات و المواريث.
و قد نظمت أبياتا فارسية في وصف القرآن، و كونه غذاء سماويا يختص الاغتذاء به لأرواح أهل المحبة الإلهية من نوع الإنسان، أوردت بعضا منها هاهنا،