تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٢ - مكاشفة
مكاشفة
إنه لما علم مما سبق غاية خسّة الكافر و الفاسق بحيث ينزل درجتهم عن درجة الأنعام و البهائم لقوله: «ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» و غاية درجة المؤمن بحيث يعلو و يفوق على كثير من خلقه تعالى، حتى ضروب من ملائكة اللّه لقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فيتوهم هاهنا للنفوس الغير المتدرّبة في العلوم الدقيقة و الأنظار اللطيفة العميقة، إن أفراد الإنسان لما كانت متساوية الحقيقة فيمتنع أن يصير بعضهم أعلى عليين و بعضهم أسفل سافلين.
و الجواب بأن هذه التفاوت إنما يكون بالعوارض الغريبة التي لا مدخلية لها في تقوّم شيء من الأفراد غير منجّح (صحيح- ن) و لا يقبله الطبائع السليمة، كيف و السبب الاتفاقي لا يكون دائميا و لا أكثريا، فلا بد أن يكون علة خلود المؤمن في الجنة و علة خلود الكافر في النار أمرا داخلا في تجوهر العبد و حقيقته و ذاته، بل الحق الحقيق بالتصديق ان الإنسان بحسب النشأة الاخروية أنواع مختلفة حسب اختلاف الأخلاق و الملكات الراسخة في باطنه، و ستظهر في القيامة بصورها المناسبة لمعانيها المتخالفة الحقائق.
و ممن تفطن بهذا المطلب المنكشف بنور القرآن واحد من الفلاسفة المعروف بفرفوريوس، القائل باتحاد العاقل و المعقول، لكن لم يبلغ نظره إلى مرتبة البالغين من رجال هذا الدين المتين، الذي هو صراط السالكين إلى عالم الحق و اليقين، فاللّه سبحانه رفع نقاب الاختفاء و كشف غطاء الامتراء عن المحجة البيضاء، و بين هاهنا نفي المماثلة بين المؤمن و الكافر في الذات و الحقيقة، و سلب المساواة بين العارف و المنكر في درجة الماهية، كما في قوله تعالى: « «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»» [٣٩/ ٩].