تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٤ - وله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ١٣
أمر يخترعه الوهم الكاذب.
فقال: «وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها» بالتوفيق و الايمان و الإلجاء إياها لسلوك سبيل الرحمة و الرضوان، و لكنه ينافي الحكمة و المصلحة الكلية المقتضية لحفظ النظام على أفضل ما يمكن من الوجود و القوام، إذ لو كان الأمر كما توهّم لبقيت النفوس كلها على طبقة واحدة، وفات بقاء سائر الطبقات المتصورة في حيّز الإمكان من غير أن يخرج من الكمون و البطون إلى منصّة البروز و الظهور، و الرحمة مقتضية لإيصال كل مستحق إلى ما يليق به، لئلا يخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها، فيبقى في العدم امور جمّة غفيرة، و لا يتمشى الأمور الخسيسة، التي يحتاج إليها في بقاء النفوس الشريفة، كيف و لو لم يكن الكنّاس و الحجّام في العالم لاضطر الحكيم إلى مباشرة الكنس و الحجامة.
و لا بد أيضا في ظهور بعض صفات اللّه الجلالية من وجود أهل الحجاب و الذلّة و القسوة و الظلمة، البعداء عن الرحمة و المحبة و النور، و إلا فلا ينضبط نظام العالم، و لا يتم صلاح المهتدين لوجود الاحتياج إلى سائر الطبقات، كما لوّ حنا إليه من أن المظاهر لو كانت كلها أنبياء و أولياء و أخيارا لاختلّ بقائهم بعدم النفوس الغلاظ و الشياطين من الإنس و الجن، القائمين بعمارة هذا العالم، ألا ترى إلى ما
ورد من قوله تعالى: إني جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم.
فوجب في الحكمة الحقة الإلهية، التفاوت في الاستعدادات بالقوة و الضعف، و الصفاء و الكدورة، و ترتّب الدرجات على حسبها، و الحكم بوجود كل طبقة من السعداء و الأشقياء في الفضائل و الرذائل، لتجلى اللّه سبحانه بجميع الصفات، و يظهر منه جميع أسمائه الحسنى، فإن الغفور، و العفوّ، و العدل، و المنتقم، و التوّاب، و المضل و أمثالها أسماء لا يتجلى الحق بها إلا إذا جرى على العبد ذنب.
و لذلك
وقع في الحديث: «لو لا انكم تذنبون لذهب اللّه بكم و جاء بقوم يذنبون»
و
عن النبي صلى اللّه عليه و آله: «أنين المذنبين أحبّ إليّ من زجل المسبّحين».