تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٢ - سر إفاضي
ملائكة العذاب، فحسب إياها على ما ذكر فأراد أن يبين أن استيناف هذه الحركة المعنوية للنفوس الغير البالغة حد الكمال، هل هو متصور أم لا، فكشف قناع الإبهام عن وجه هذه المسألة على وجه ظهر استحالة رجوع النفس إلى مبدأ تكوّنها، كي ينقطع طمع بعض الناس في تجويز العود إلى الدنيا مرة اخرى كما ذهب إليه طائفة من التناسخية.
و هذه الاستحالة لا يظهر حق الظهور إلا بنور الرسالة و ما ينتهى إليه لأن عقول العقلاء و أذهان جماهير الحكماء الغير المقتبسين أنوار حكمتهم من مشكاة النبوة و الولاية قاصرة عنها، و الدلائل على إبطال التناسخ غير قاطعة، و لهذا وقع الخطاب للنبي صلى اللّه عليه و آله لاختصاصه بمشاهدة أحوالهم على وجه يمتنع لهم الرجوع إلى الدنيا، لصيرورة نفوسهم مصورة بهيئات ردية خرجت بها عن أصل الفطرة و الاستعداد، و بقيت فيها داعية الاستكمال مع بطلان الآلة المعدّة للكمال.
و مما ينبهك على بطلان التناسخ و استحالة الرجوع إلى الحالة الاولى، مقايستك حال النفس في تطوراتها و شئوناتها بحال البدن في تدرجاته و ترقياته من حد الطفولية بل من أول قرار المني في الرحم إلى غاية الشيخوخة، فكما أن للبدن بعد ما خرج من القوة و الاستعداد اللذين كانا له حال كونه منيّا و في كل حالة من حالات الطفولية و الصبوية و المراهقية و الشباب و الكهولة و الشيخوخة طورا إذا بلغ إليه يستحيل له بحسب الطبع أن يرجع إلى حالة سابقة له، فكذلك قياس النفس في أوقات تكونها و بلوغها إلى مرتبة من الفعلية بعد كونها أمرا ساذجا و لوحا صافيا و عقلا هيولانيا، يكون بالقوة من كل الوجوه، فإذا خرجت عن الهيولانية و صارت بالفعل بسبب اشتغالها بالبدن، و بسبب استعمالها للحواس و المشاعر و الآلات، سواء فيما خلقت لأجله، حتى يكون شاكرة، أم لا حتى يصير كفورة، فلا يمكن رجوعها إلى حالتها التي كانت بحسبها بالقوة.
و بهذا الأصل دفعنا شبهة التناسخ بإذن اللّه و تأييده، فإن من جوز انتقال النفس