تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٨ - تنبيه فرقاني
و تعديله ينصلح أمر المعاش في الدنيا، و بإصلاح الآخرة ينصلح أمر المعاد في الآخرة، و الأحوط عند الأكياس ترجيح صلاح المعاد على صلاح المعاش، و عيش الآخرة على عيش الدنيا، بل
«لا عيش إلا عيش الآخرة» كما ورد في الحديث [١]
، و عليه الأنبياء و الأولياء و الصديقين سلام اللّه عليهم أجمعين.
تنبيه فرقاني
اعلم إن أكثر الألفاظ الواردة في الكتاب الإلهي كسائر الألفاظ الموضوعة للحقائق الكلية مجملة، يطلق تارة و يراد به الظاهر المحسوس، و يطلق تارة و يراد به سره و حقيقته و باطنه، و تارة يطلق و يراد به سر سره و حقيقته و باطن باطنه.
و ذلك لأن اصول العوالم و النشآت ثلاثة: الدنيا و الآخرة و عالم الإلهية، و كلها متطابقة، و كل ما يوجد في أحد من هذه العوالم يوجد في الأخيرين على وجه يناسب كل موجود لما في عالمه الخاصّ به.
فالروح مثلا كما يطلق على الجسم البخاري، يطلق أيضا علي النفس الحيوانية أو الإنسانية، و يشترك جميع أفراد الإنسان في الأول و الثاني، و كذلك يطلق على الروح الإلهي الذي هو محل استواء الرحمان بلا واسطة و محل نفخه و فيضه، و له الخلافة الكبرى من الحق و السلطنة العظمى نيابة عنه تعالى.
فمن تلك الألفاظ: السمع و البصر و الفؤاد، فإن هذه الثلاثة ربما يراد بها الأعضاء الثلاثة، كالاذن الغضروفي، و العين الشحمي، و القلب اللحمي، و ما يتعلق بها من الأعصاب و الأرواح التي كلها من عالم الخلق و التقدير و عالم الشهادة و الحس، و ربما يراد بها القوة السمعية المدركة للأصوات و الألفاظ و النغمات، و القوة البصرية المدركة للاضواء و الألوان، و القوة القلبية المدركة للمفهومات و أوائل المعقولات و المسلّمات المقبولات، و تارة يراد بالسمع سماع المواعظ و الحكم القرآنية،
[١] البخاري: باب ما جاء في الرقائق: ٨/ ١٠٩.