تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩ - تلويح عرشي
ان الهيولى الكلية المطلقة بذر شجرة العالم الجسماني التي أصلها ثابت و فرعها في السماء، فتصرفت فيها أيام الحمل في أطوارها، فجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير، فتكون المعدة بمثابة الأرض و الرأس بمثابة السماء و القلب بمثابة العرش و الصدر لمكان الكبد بمثابة الكرسي، و هذا كله بتدبير الروح و تصرفه خلافة عن ربه.
ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب، لا استواءا مكانيا، بل استواءا ارتباطيا تعلقيا معنويا، ليتصرف في جميع أجزاء الشخص، و تدبّر أموره بإفاضة فيضه على القلب أولا، ثم من القلب على الكبد و الدماغ و الأعضاء الشريفة الرئيسة ثانيا، ثم على سائر الأعضاء و الجوارح بتوسطها، فالعرش مقسم فيض الحق على العالم كله كما ان القلب مقسّم فيض الروح إلى القالب كله.
فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفى التشبيه عن الصفات المقدسة المنزهة كافيا، و تحققت بحقيقة
قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم [١]: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»
إن شاء اللّه.
تلويح عرشي
لا يستر على العارف المكاشف ان في الوجود وجوها من المشابهة و المماثلة بين القلب الإنساني و عرش الرحمان، ذكرنا في بعض كتبنا العرفانية بوجه تفصيلي لا بأس بذكر جملة منها على وجه التلخيص و هي خمسه:
الأول: إنهما يشتركان في كونهما محل استواء الرحمان، أما العرش فلدلالة هذه الآية و نظائرها على كونه كذلك، و أما قلب المؤمن العارف فلقوله تعالى في القرآن: هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [٥٧/ ٤] و
في الحديث القدسي: «يا داود فرّغ لي بيتا، أنا عند المنكسرة قلوبهم».
[١] مصباح الشريعة: الباب ٦٢. و نسبه ابن أبي الحديد (٤/ ٥٤٧) إلى علي عليه السّلام.