تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٤ - الفائدة الثانية
فتوسطها و اعتدالها يسمى «بالحكمة» و هي معناها غير العلم العقلي بحقائق الأشياء بالقوة النظرية، فإنها كلما كان أوفر كان أفضل وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢/ ٢٦٩] و إفراط هذه القوة يسمى «بالجربزة» و هي المكر و الخديعة، و تفريطها هي «البلاهة» و «السفاهة» و كلا الطرفين مذمومان.
و أما قوة الغضب: فتوسطها و اعتدالها «الشجاعة»- و هي فضيلة كالجود- و كلا جانبيها- و هما «التهوّر» و «الجبن»- رذيلتان، كما إن طرفي الجود، كالبخل و الإسراف- مذمومان لقوله تعالى: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [١٧/ ٢٩] و قوله: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [٢٥/ ٦٧].
و أما قوة الشهوة فتوسطها و اعتدالها هو «العفة»، و طرفاها- و هما «الشره» و «الخمود»- رذيلتان.
و من تركيب هذه القوى الثلاثة و امتزاج أوساطها الثلاثة تحصل قوة اخرى لها توسط- هي الفضيلة- المعبّر عنها «بالعدالة».
و لها طرفان مذمومان: فإفراطها «الظلم» و تفريطها «الانظلام».
فهذه الصفات الأربع اصول الفضائل العلمية، و أطرافها الثمانية هي الرذائل و مجموعها حسن الخلق إذا صارت ملكة ينوط بها خلاص الإنسان من ذمائم الأخلاق الموجب لسخط الباري و غضب الخلّاق، و التعذب بالاحتراق بالجحيم لأجل الانحراف عن العدالة- المعبّر عنها بالصراط المستقيم، فخير الأمور في هذا العالم أوسطها، فكما إن نفس الطريق المستقيم ليست مقصودا، بل جوازها يؤدي إلى المقصود فكذلك حسن الخلق ليس كمالا، بل الاتصاف به يورث الخلاص من الجحيم، و إنما الكمال الحقيقي و المقصود الأصلي هو معرفة الحق الأول و ما يليه من الصفات الجمالية و الأفعال الإلهية التي تكمل بها النفس، و تقرّ بمشاهدتها العين السليمة من الأمراض الباطنية، فالميزان الذي تقوم فيه الناس بالقسط و يعتدل به نفوسهم