تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٢ - الفائدة الثانية
و اللذائذ الحسية، و كمال القوة الغضبية الظفر بالانتقام، و كمال القوة الحسية إدراك المحسوسات، و كمال القوة المتخيلة تصوير المتمثلات، و كمال الواهمة الظنون و الرجاء.
و للنفس الإنسانية في ذاتها كمال يخصها، و لها قوتان: إحداهما عاقلة نظرية متوجهة إلى الحق، و الاخرى عاملة محركة للبدن متوجهة إليه، فكمال النفس بحسب قوتها النظرية بمعرفة حقائق الأشياء و كلياتها و المبادي القصوى في الوجود و بالجملة معرفة الحق الأول بماله من صفات جماله، و نعوت جلاله، و كيفية صدور أفعاله عنه و رجوعها إليه، و معرفة كونه غاية الأشياء الذي يتوجه إليه الموجودات في بقائها، كما يبتدي منه في حدوثها، إلى غير ذلك من المعارف الحقّة التي كانت مستعدة لها أولا عند كونها هيولانية الذات، ثم يحصل لها بسبب حصول المقدمات صورها على نحو البرهان الدائم اليقيني، ثم سيصير مشاهدة إياها فائضة من الحق الأول، ثم يصير متصلة بها، منخرطة في سلكها، مستغرقة في شهود مبدئها و معادها، بحيث لا يلتفت إلى ذاتها العارفة به تعالى، فضلا عن غيرها، بل الاضمحلال في المعروف يذهلها عن كل شيء حتى عن ذاتها و عن عرفانها لمبدئها.
فاليقين الأول هو العلم، و الثاني هو العين، و الثالث هو الحق فهذا هو كمال النفس بحسب قوتها النظرية، و لا شبهة في أنه لا يحصل هذا الكمال إلا بسبق معرفة الحقائق و العلم بالمعقولات، و لا شبهة في أن كتاب اللّه مشتمل على جلها بل كلها، و لا شك في أن حصول المعارف و العلوم متوقف على وساطة الرسول، و وساطته إنما تحصل بإنزال القرآن، فقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ إشارة إلى ما يستكمل به القوة النظرية.
و أما كمال النفس بحسب القوة العملية الذي يكون الميزان إشارة إليه فبيانه: إن النفس لما كانت في أول نشأتها ناقصة ضعيفة القوام بذاتها، فيحتاج في استكمالها بالكمال الذي قد سبق ذكره إلى مادة بدنية تفيض و تستفيد بواسطة آلاته الجسمانية و مشاعره الإدراكية مبادي إدراكاتها التصورية و التصديقية من