تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٢ - مكاشفة
العدل في مملكة البدن و يجري الكل على الصراط المستقيم.
إذا تحقق ما ذكرناه فنقول: إن القوة العاقلة- التي هي خليفة اللّه في مملكة البدن إذا غلبت بجنودها التي هي من حزب اللّه- كالمعرفة و التقوى و الذكاء و الصبر و غيرها- على القوة الوهمية و جنودها و خوادمها التي هي من جنود الشيطان في أول الأمر و زمان الجاهلية الاولى و صارت مسلمة بيدها مقهورة تحتها إذا جاء نصر اللّه و الفتح إيّاها، و دخلت سائر القوى في دين اللّه الذي هو طريق معرفة الحق و العمل بمقتضاها- أفواجا- عند هذا الفتح المعنوي الذي هو عبارة عن مشاهدة حقائق هذه الأشياء كما هي، فبعض هذه القوى منذ صحبت القوة العاقلة قبل حصول الكشف و الشهود كانت مطيعة لأمر اللّه، خادمة للقوة العاقلة، مؤتمرة بأوامرها، منتهية بنواهيها، منفقة لمادتها البدنية و محللة لرطوباتها الدماغية الحاملة لها في طريق التفكّر في آيات اللّه و سبيل ملكوته و المجاهدة مع كفرة الأوهام الكاذبة الفاسدة.
و بعضها كانت عاصية إياها بعد، متمردة من أوامرها و نواهيها.
فكل قوة أسلمت و أطاعت أمر اللّه و أنفقت في طريق المعرفة ما يحملها من المواد الجسمية، و جاهدت في سبيل اللّه، و عارضت مع الكفرة و الظلمة و الفسقة تقربا إلى طاعة الحق قبل الولادة المعنوية و الولادة الحقيقية فهي أعظم أجرا و أجلّ رتبة من سائر القوى و أقربها إلى أفق المجردات النورية، و كل من هذه الجنود و القوى لها استحقاق الحسنى من عند اللّه و المثوبة إذا أسلمت و صارت مسخّرة للقوة العاقلة، ثابتة في طاعتها لأمر اللّه و مشايعتها إياها في السلوك إليه تعالى و استنارتها بنور المعرفة و اهتدائها بهداها.
فإن قلت: هذه القوى الجسمانية قائمة بهذه المادة العنصرية، فهي دائرة هالكة غير باقية بعد خراب البدن، فأنّى تكون لها المثوبة و السعادة؟
قلت ٨٧: هذه القوى البدنية الدائرة- إدراكية كانت الحواس، أو تحريكية- كالشهوة و الغضب كلها آثار و ظلال للقوى و المشاعر التي هي في ذات القوة العاقلة، فإن لها في ذاتها بصرا و سمعا و ذوقا و شمّا و لمسا- من دون الحاجة إلى البدن-