تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٤ - رموز قرآنية و لوائح ربانية
كالامكان الذاتي و غيره، لا من جهات القابلية كالامكان الاستعدادي و صلوح المادة و حصول المزاج لامتزاج العناصر، فالأجسام مجرد الجواهر بلا أعراض هذه الدنيا، و لم يكن لها صفات مستحيلة متغيرة حاصلة من انفعال المواد للاستعداد، بل كل جوهر من جواهر الآدميين يكون في الآخرة عالما تاما برأسه كجملة هذا العالم، فيكون كل إنسان هناك عالما تاما في نفسه لا ينتظم مع غيره في عالم واحد، مع ان كل إنسان سعيد في الآخرة يحضر عنده كل ما يريد و يرغب في صحبته بلحظة عين و فلتة خاطر و خطرة قلب، و هذا عام فاش لكل واحد من السعداء، و هو أقل مرتبة من مراتب أهل الجنان، فالعوالم هناك عدد غير متناه، كل منها كعرض السموات و الأرضين من غير تداخل و لا مزاحمة و لا مضايقة، كما يعرفه المكاشفون و يشاهده المقربون.
و مما ينبه على هذا أن هذا العالم الدنياوي بجملة ما فيه إذا أخذ مجموعا واحدا لا يحصل من الجواهر العقلية إلا على سبيل الإبداع بحسب جهات عقلية فاعلية، لا أنه قد حصل بتمامه من جهة استعداد قابل، و لا أيضا وجد في مكان و لا في زمان، إذ لا مكان للمكان و لا زمان للزمان، فليس لجملة الأجسام مع ما منها و فيها زمان و لا مكان و لا جهة من الجهات و لا يمكن أن يقال حدث في أى وقت و في أي مكان و جهة فهكذا- يجب أن يعلم و يتصور حال كل عالم من العوالم الاخروية المتعلقة بواحد واحد من أهل السعادة من الجواهر الإنسانية، فقد علم من هذا وجه كونه تعالى رب العالمين- بصيغة الجمع- المختص بذوي العقول لأن كل عالم رباني عالم تام لا يعوزه شيء من الأشياء و لا يفتقر إلى امر خارج عنه و عن ملكه و عالمه و سلطانه، فإذا لم يكن شيء من الأشياء إلا و يكون في ذلك لعدم غيبة الكل عن الكل، فلا يفوته شيء فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ [٤٣/ ٧١] فبعد حشر الأجساد لا يمكن لأحد أن يقول: هذا الجسد غير ذلك، و ليس له أيضا من كل وجه: أن هذا ذاك فإن هذا من الذهب و ذاك من الرصاص. بل له أيضا أن يقول: هذا كان ذلك فإن الرصاص صار بالإكسير في كورة سجن الدنيا أو جهنم الآخرة هذا، فإن كنت