تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨ - تمهيد فيه تشييد
ثم أكّد بيان هذه المعارف، كما هو دأبه سبحانه بتفصيل أحوال الأشقياء و السعداء، و بيان الوعد و الوعيد لزيادة الإهداء و الحثّ على الارتقاء من هذه الوهدة الظلماء، و المقبرة الغبراء.
و قبل أن نخوض في غرض المرام. نمهّد مقدمة يناسب المقام.
تمهيد فيه تشييد
اعلم أيها القاري إن القرآن- و سيما هذه السورة التي نحن بصدد تبيينها إن شاء اللّه- هو نور يهتدى به في ظلمات البر و البحر و دواء من كل داء و ضرّ، إذا رفع نقاب العزة عن وجهه، و كشف جلبات العظمة و الكبرياء عن لبه و حقيقته، و انقشع سحاب الاحتجاب، و رفع الاختفاء و التمنّع عن وجوه شموس آياته و رموزه، و أنوار تجلياته و كنوزه: يشفي كل عليل داء الجهل و الشقاوة، و يروي كل غليل طلب الحق و السعادة، و يداوي كل مريض القلب بعلل الأخلاق الذميمة المزمنة، و أسقام الجهالات المهلكة، و تنور بنور أبصار بصائر القلوب، و يستعد للقاء اللّه علام السراير و الغيوب، كما قال اللّه تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٥/ ١٦].
و
قد روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: القرآن هو الدواء [١].
و
روي عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أيضا: القرآن غنى لا فقر بعده [٢].
و القرآن هو حبل اللّه المتين الذي نزل إلى العالم الأسفل، لنجاة المحبوسين في سجن الدنيا، المقيدين بسلاسل التعلقات و أغلال الأثقال و الأوزار، من حب الأهل و الولد و المال، و شهوة البطن و الفرج و الحرص و الآمال، و خسران الآخرة
[١] بحار الأنوار: ٩٢/ ١٧٦.
[٢] بحار الأنوار: ٩٢/ ١٩.