تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٢ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) الآيات ٢٨ الى ٢٩
فكما إن القرآن العظيم يوجد فيه علوم الآخرة و مكاشفات الأسرار الإلهية و الآيات الربوبية، فكذلك يوجد فيه أحكام الحلّ و الحرمة، و طريق المعاملات، و كيفية المعاشرة مع الخلق و علم التمدن و السياسات، و الجروح و القصاص، و الأقضية و الحكومات، فتلك الآخرة، و هذه الدنيا على وجه يكون وسيلة للآخرة، فافهم و اغتنم.
أفلا يبصرون: أي آثار الحيوة العقلية و شواهد الأنوار الملكوتية في القلوب المهتدية بآيات المعارف القرآنية، و النفوس التي أنبت اللّه فيها بمياه الألطاف الروحانية (الرحمانية- ن) أشجار الكلمات الطيبات التي أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، و تلك الأمثال نضربها للناس.
قوله سبحانه: [سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ الى ٢٩]
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)
قال الفراء: المراد به فتح مكة، و قال السدي: «الفتح» هو القضاء بعذابهم في الدنيا و هو يوم بدر، و قال مجاهد: هو الحكم بالثواب و العقاب يوم القيامة. كان الكفار يسمعون المسلمين يستفتحون باللّه عليهم، فقالوا لهم: متى هذا الفتح؟ فأمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه و آله و سلم بأن يقول لهم و ينبئهم على أن بعد الفتح لا ينفع ايمان من كان كافرا من قبل، كما في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [٦/ ١٦٩] أي لا يمهلون و لا يؤخر عنهم العذاب.
هذا على تقدير أن تكون يوم الفتح القيامة، و أما على أحد الوجهين الأخيرين ففيه إشكالان: أحدهما عدم مطابقة الجواب للسؤال في الظاهر، و الثاني إنه قد نفع الايمان الطلقاء يوم فتح مكة و ناسا يوم بدر.