تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٨ - الفائدة الثالثة
و قوله: أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ- إشارة إلى الملك النازل على قلوب الأنبياء بالوحي، و حكم الأنبياء عند اتصالهم بعالم الغيب و مشاهدتهم الملائكة هو بعينه حكم الملائكة في منزلتهم و مرتبتهم في الوجود، و إن صدق عليهم حين نزولهم من عالم تقدسهم إلى درجة أفهام الخلق قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [٤١/ ٦].
ثم إن الإرسال و الإنزال أمران نسبيّان يدلان على المنزل و المهبط بالالتزام، و مهبط نزول الرسل (الوحي- ن) و الملائكة عالم الأجسام، و الهبوط لا بد فيه من المرور على المراتب المتوسطة بين عالم القدس و عالم الجرم الأرضي الذي هو أسفل السافلين، فقد وقعت الإشارة إلى المراتب الكلية لسلسلة النزول.
و أما الإشارة إلى سلسلة الصعود: فلفظ الميزان مما يحتمل أن يكون إشارة إلى التعادل في العناصر الذي يقال له المزاج، المشار إليه بقوله: وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ [٥٥/ ٧] و هو الذي به يتهيّأ المواد العنصرية لأن تحصل منه المواليد الثلاثة، فإن المانع عن قبول الحيوة و الشرف من اللّه تعالى في الأجسام السفلية هي التضاد، و إلا فالجود مبذول و الرحمة واسعة، أ و لا ترى أن الأجرام العلوية لخلوها عن التضاد في الكيفيات حيّة مطيعة للّه تعالى في أوامره و نواهيه، لا كارهة كالأرضيات كما وقعت الإشارة في قوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [٤١/ ١١] و قوله: وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [٤١/ ١٢].
فكلما أو غلت العناصر عند الامتزاج في الاعتدال و التوسط بين أطراف الأضداد الذي هو بمنزلة الخلو عنها يستعد لإفاضة كمال أشرف و حيوة أرفع.
فأول ما يحصل لها من التوسط و الاعتدال هو ما يحصل منه المعادن على مراتبة ثم النبات كذلك، ثم الحيوان على أنواعه، ثم الإنسان على طبقاته في الشرف و البرائة من الأضداد، و قد تقرر في العلوم الإلهية: إن الطبيعة ما لم تستوف النوع الأخسّ لم تتخط إلى النوع الأشرف، فقوله: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ إشارة