تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٨ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ٢٦
جميع الخلائق يوم القيامة من ماهية الإنسان و عقله الهيولاني.
و وجه ذلك ان تكرر الأفاعيل و الانفعالات البدنية يوجب حدوث الأخلاق و الملكات النفسانية، و كل صفة و ملكة تغلب على باطن الإنسان يتصور في الآخرة بصورة تناسبها، و لا شك إن أفاعيل الأشقياء المدبرين بحسب هممهم القاصرة عن ارتقاء عالم الملكوت، النازلين بحسب دواعيهم الخسيسة في البرازخ الحيوانية بالأعمال الشهوية و الغضبية و الوهمية البهيمية و السبعية و الشيطانية، فلا جرم تكون تصوراتهم مقصورة على أغراض حيوانية أو شيطانية تغلب على نفوسهم، و يحشرون على صور تلك الحيوانات و الشياطين في دار الآخرة، كما في قوله: وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [٨١/ ٥] و قوله: لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ [١٩/ ٦٨] و قوله: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [٤٣/ ٣٦] و
في الحديث [١]: «يحشر الناس على نياتهم» «يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة و الخنازير»
و هكذا الناس يتصورون بصورهم الحقيقية الاخروية التي تقتضي ملكاتهم و أخلاقهم على أهل الكشف و أصحاب الشهود، الذين غلب على باطنهم سلطان الآخرة، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.
قوله سبحانه: [سورة السجده [٣٢]: آية ٢٦]
أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ [٢٦]
«الواو» للعطف على معطوف عليه أمر منوي من جنس المعطوف، و الفاعل في «يهد» ما دل عليه «كم» أي كثرة إهلاكنا القرون، لا نفس «كم» لأنها لا تقع فاعلة، فلا يقال: «جاءني كم رجل» و لأن «كم» في محل النصب على تقدير الاستفهام
[١] المسند: ٢/ ٣٩٢.