تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٥
و ثانيها: هو القدري بمعنى كون أفعال العباد مثل سائر المخلوقات واقعة بقدرته تعالى و بقضائه و قدره، و كل قدرة و ارادة و اختيار غير قدرته و اختياره تعالى- و ان كانت وقعت في البين و رابطة بين الفعل و أصل مصدره الذي هو منتهى سلسلة الحاجات و هو قدرته سبحانه، لكنها كلها غير مؤثرة الا بقدرته متفرعة عنها لا أثر لها بحسب أنفسها، بل بقدرته جل و علا، فهو المؤثر حقيقة و بالذات.
فالقدرى بهذا المعنى يضاد القدري بالمعنى الاول و يقابله تقابل التوحيد للشرك و فيه ... فلا تغفل.
[١٦٤] ص ٢٦٢ س ١٠ أما القدري- اعلم أن في المقام مذاهب و مشارب أربعة:
أولا: الافراط في التشبيه، و هو القدري التفويضي و المجوسي الثنوى.
ثم الافراط في التنزيه الراجع من حيث لا يشعر قائله الى الافراط في التشبيه و هو الجبري الأشعري الغير الشاعر بفساد أمره- و هما أشنع المذاهب الباطلة و أكدر المشارب الكدرة المنكرة.
ثم مشرب القدري الناظر الى القدرة القديمة و القاطع نظره عن الوسائط و الأسباب القريبة، و ان كان قابلا بسببيتها و وساطتها عند عرضها عليه و لكن غير ملتفت اليها بل يقصر نظره الى العلة الاصلية القديمة، و هو ذو العين اليمنى و عمى عينه اليسرى كأنه لا يرى بها أصلا.
ثم الناظر الى الأصل القديم في مقام التوحيد بإسقاط الإضافات و محو الانيّات و التعينات التي هي أنحاء تجليات الذات القديمة و شئونه الذاتية التي يبديها، و ليست بشئون يبتديها و هو التنزيه الذي طوى فيه بساط التشبيه طرا، فصاحب هذا المقام من التوحيد الحق هو المستغرق في شهود الجلال لم يتحقق بعد له مرتبة الجمع بين المحو الجلالي و الصحو الجمالي حتى يرى التنزيه في عين التشبيه و بالعكس، و يرى التوحيد في عين التكثير، و التكثير في عين التوحيد.
و هذا ... الذي ينظر اليه. قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ-
السورة [٩٤/ ١].