تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٦ - تفصيل تنبيهي
نشأ منه، فيحترق بالنار التي هي أصل وجوده، مثل هذا الأشرار، فكم بين من باشر الحق تسوية وجوده و تعديله و جمعه بين يديه المقدسين ثم نفخ بنفسه فيه من روحه نفخا استلزم معرفة الأسماء كلها و سجود الملائكة له أجمعين و اجلاسه مرتبة الخلافة و النيابة عنه في الكون، و بين من خلقه بيده الواحدة أو بواسطة ما شاء من الوسائط الوجودية الواقعة في سلسلة البدو، فلم يقبل من حكمي السوية و التعديل ما قبله من اختير و اصطفى للخلافة.
و هذا الذي ذكرناه من تفاوت خلقة الإنسان بحسب الفطرة الأصلية مما يستفاد من الأحاديث الكثيرة المختلفة الفحوى في الاخبار عن كيفية بدو الإنسان، و به أيضا يحصل التوفيق بين الجميع، لأن اختلاف المعاليل و المسببات في الحقيقة مما يستدعي اختلاف الأسباب و العلل، فإن الذي ينفخ فيه الروح و هو الملك بالإذن- كما يدل عليه بعض الاخبار- كيف يكون مساويا في الحقيقة لمن باشر الحق إنشائه بيده فانظر فيما
روي عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم إنه قال [١]: يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح. فيقول: يا رب أ ذكر أم أنثى؟ أ شقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ و ما أجله؟ ما عمله؟ فالحق يملي و الملك يكتب.
فأين هذا من قوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [٣٨/ ٧٢] و شتّان ما بينهما؟ إذ هاهنا أضاف المباشرة إلى نفسه بضمير الإفراد الرافع للاحتمال، و لذلك فرّع بذلك من أبى و استكبر عن السجود له و لعنه و طرده، و قال: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [٣٨/ ٧٥].
[١] جاء ما يقرب منه في المسند: ١/ ٣٨٢ و ٤١٤ و الترمذي: ٤/ ٤٤٦ و روى ما يشبهه عن الصادق (ع) راجع الكافي: ٦/ ١٣.