تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٢ - مكاشفة
بالاستقلال قال بالقدر و التفويض ١٦٣- أي بكونها واقعة بقدرتنا الاستقلالية مفوضة إلينا. و لهذا
قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «القدرية مجوس هذه الامة» [١]
لأنها تثبت مبدأين قادرين مستقلّين كالمجوس القائلين بيزدان و أهرمن، و إن أحدهما فاعل الخير، و الآخر فاعل الشر بالاستقلال.
و من نظر إلى السبب الأول و كون تلك الأسباب و الوسائط مستندة بأسرها على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل و المعلولات إلى اللّه تعالى استنادا واجبا و ترتيبا معلوما على وفق القضاء و القدر، و قطع النظر عن الأسباب القريبة أو نفى التأثير مطلقا في العلل و المعلولات و أبطل حكمة اللّه في نظم الأسباب و تقدمها على المسببات قال بالجبر و خلق الأفعال، و لم يفرق بين أفعال الأحياء و أفعال الجمادات.
و كلاهما أعور دجّال لا يبصر بإحدى عينيه. أما القدري ١٦٤ فبالعين اليمنى- أي النظر الأقوى- الذي به يدرك الحقائق. و أما الجبري فباليسرى- أي الأضعف- الذي به يدرك الظواهر.
و أما من نظر حق النظر فأصاب فقلبه ذو عينين، يبصر الحق باليمنى فيضيف الأفعال إليه- خيرها بالذات و شرها بالعرض- و يبصر الخلق باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال ١٦٥، و بالإعداد لا بالإيجاد، و يتحقق بمعنى
قول الصادق عليه السّلام: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين» [٢]
فيتذهّب به، و ذلك هو الفضل الكبير.
و أما من أضاف الأفعال إلى اللّه تعالى بنظر التوحيد و إسقاط الإضافات و محو الأسباب و المسببات- لا بمعنى خلق الأفعال فينا أو خلق قدرة و إرادة جديدتين متبائنتين
[١] الحديث معروف عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و روى في التوحيد: باب القضاء و القدر، ٣٨٢ عن الصادق عليه السّلام أيضا.
[٢] التوحيد: باب نفي الجبر و التفويض: ٣٦٢ .. الكافي: باب الجبر و القدر: ١/ ١٦٠.