تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٧ - رموز قرآنية و لوائح ربانية
و منها ان هذه الآية وقعت جوابا تفصيليا للشبهة المنقولة عن المنكرين للمعاد و حشر الأجساد بعد الجواب الأول الإجمالي على الوجه الذي أوضحناه بفضل اللّه و إلهامه، إذ قد علمت إن توجه النفوس و الأرواح إلى عالم المعاد و قرب المبدإ الجواد أمر فطري فطرت عليه العباد، لأن الموت نوع من الاستكمال، لأنه بالقياس إلى الروح العلوي وجود و حياة، و بالقياس إلى البدن العنصري المركب و الهيكل المحسوس عدم و موت، و لكل استكمال بعد استكمال، لا بد من وسائط بين اللّه و بين الخلق هي المسماة بملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و قد يختلفان بحسب الإضافات كما أشرنا إليه، فملك الموت يقبض الأرواح من عالم أدنى إلى عالم أعلى، و نفس هذا القبض إماتة في هذا العالم و إحياء في عالم الآخرة، و لهذا يسمى بأبي يحيى، لا بما ظن من أنه من باب تسمية الشيء باسم ضده كما هو من عادة العرب، بل في تسميته بهذا روعي كلا الوجهين بحسب النسبتين.
و وجه كون الآية بيانا و موضحا لمسألة الحشر الجسماني إن أجناس العوالم مختلفة بعضها فوق بعض، و قد ثبت في الحكمة الإلهية إن الطبيعة ما لم تستوف النوع الأخس لم يقصد النوع الأشرف، و ما لم تصل إلى العالم الأدنى لم يتخط إلى العالم الأعلى، أ و لا ترى أن المني في الرحم يزداد كمالا بعد كمال على الولاء حتى يصير إنسانا فيصير أولا ذا نفس نباتية ثم حيوانية ثم بشرية- من غير أن يطفر مرتبة من المراتب؟
و إلى هذا المعنى أشار تعالى في كثير من الآيات الفرقانية كقوله وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [٥٦/ ٦٢] و كقوله أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ [٥٦/ ٥٨].
ثم لما كانت أجناس العوالم منحصرة في أربعة: اثنان منها روحانيان و هما عالما العقول و النفوس، و اثنان منها جسمانيان و هما عالما الغيب و الشهادة، فالأرواح الإنسانية لا بد أن ترتحل من هذه الدار إلى الدار الآخرة عند توجهها الجبلي إلى الحق و استكمالها الفطري بحسب النشآت و الحالات، فقوله قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ