تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧١ - تتمة تنبيهية
متناهية الأعداد و الأدوار و الأكوار، و هذا يستلزم استمرار هذه الدار و بقاء الفلك الدوار، و هو مما يصادم القوانين الدينية و القواعد الملية، لقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [٤٠/ ١٦] و قد أشار تعالى إلى تقرير هذه الشبهة المفصلة بقوله: وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١٠/ ٤٨].
و الجواب الحق ما وقعت الإشارة إليه بقوله سبحانه: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ [٣٦/ ٤٩] و توضيحه على وزان ما علمت من المذكور في دفع الشبهة الواردة من جهة المكان، فإن الزمان و المكان متوافقان في الأحكام، و «أين» و «متى» متلازمان في نحو الوجود و القوام، منسلكان في سلك واحد من الانتظام، فكما ان مكان الآخرة خارج عن أمكنة هذا العالم، فكذا زمانها خارج عن أزمنة هذه الدار الفانية، بل هما محيطتان بهذين، نسبة كل منهما نسبة واحدة إلى ما بإزائها من خصوصيات أمكنة هذا العالم و أزمنته.
أ و لا ترى انه قد عبّر عن زمان الآخرة بغاية العلة، لقوله، وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [١٦/ ٧٧] تنبيها على فعلية الأشياء هناك و كونها على غاية الكمال و التمام، و أنت إذا قست مبادي الحركات المتفاوتة قوة و ضعفا و سرعة و بطوء بعضها إلى بعض، كقوى الرامين سهاما نحو المرمى في مسافة واحدة فوجدت كلما كان أقوى قوة و أسرع حركة فهو أقل زمان حركة، حتى لو فرضت قوة مباشرة للتحريك في غاية الشدة كانت الحركة واقعة منها دفعة واحدة، فإذا أشير إلى زمان الآخرة أشير إلى أقل ما يتصور من الأزمنة، و إذا أشير إلى مكان الآخرة أشير إلى أوسع ما يتصور من الأمكنة، كقوله: جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ [٣/ ١٣٣] و أمر الإعادة كأمر الإبداع وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [٥٤/ ٥٠] و شأن البداية كشأن النهاية حذو القذة بالقذة، و كل إنسان يرجع في آخر أمره إلى فطرته الأصلية التي خرج عنها، ورد إلى مبدئه الذي صدر منه ما لم يتغيّر فطرته الأصلية بالمسخ أو الطمس، نعوذ باللّه من الحور بعد الكور.