تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٥ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) الآيات ١٩ الى ٢٠
فِيها فهو نعي لهم و بيان لكيفية تردّيهم إلى عالم البوار، فإن أحد الداعيين المقتضيين إذا كان جبلّيا و الآخر عرضيا اتفاقيا فلا محالة يغلب الأول على الثاني بالأخرة، أ و لا ترى ان عمّال الدنيا و أهل الحرف و المتوغلين في الشواغل الحسية كلما بلغوا إلى صحبة الخائضين في العلوم و استطابوا حالتهم و استنشقوا روائحهم و تهوّسوا الوصول إلى مرتبتهم و الخروج من ظلمة الجهالة و ضيق النقص و خسّة الرذالة إلى نور العلم و فسحة الكمال و شرف العرفان، غلبت عليهم شقوتهم و قويت فيهم جواذب الطبيعة السفلية، و أهبطهم ثقل الأوزار و الأثقال و التعلقات مثل السلاسل و الأغلال حتى توصلهم إلى أسفل درك الجحيم، لاستيلاء الميل السفلي عليهم، و قهر الملكوت الأرضي بسبب رسوخ الهيئات الذميمة.
و الآيات الدالة على أن أهل الحجاب الكلي و المتوغلين في الحسيات اضطروا إلى التردي و التقلب في النار كثيرة، منها قوله تعالى: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [٢/ ١٦٧] و قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [٥/ ٣٦] و قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ [٥/ ٣٧] و قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [٥/ ٤١] و قوله: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ [٢/ ١٢٦].
و السبب العقلي فيه إن الجحيم الأخروي من جنس هذه الدار، فكل من غلب عليه جهة الحس و المحسوسات و لم يصدق بوجود عالم آخر ضميرا و اعتقادا و إن أقرّ به قولا و لسانا، و ليس له رتبة الوصول إلى حقائق الايمان، و لا العمل بمقتضاه و السلوك على وفق مؤداه و لا يخرج طير روحه أبدا من قفص هذا العالم، فمآله إلى الجحيم و له عذاب مقيم.