تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨ - مكاشفة
و عمل بموجباتها من الإنفاق و الزهد و الجهاد في سبيل اللّه قبل كشف الغطاء و معاينة الحقائق الدينية بالموت الإرادى فهو أعظم جلالة و أجلّ مرتبة من الذين زهدوا في الدنيا و جاهدوا مع النفس و الهوى بعد ذلك.
إذا الإنسان لو لم يكن مؤيدا من قبل اللّه تعالى بتأييد قدسي و مدد سماوي لما كان حاله في ترك المشتهيات و مقاومة القوى النفسانية و مجاهدة الوساوس الشيطانية قبل كشف الغطاء و فتح مملكة البدن من يدي القوى الأمارة كحاله بعد ذلك إذا الزهد الحقيقي و الورع عن محارم اللّه صعب على الإنسان وقت الاحتجاب، و أما عند ظهور الحقائق معاينة فليس كذلك.
و يحتمل أن يكون في الآية إشارة إلى تفاوت درجات القوى التي للإنسان و تفاضل بعضها عن بعض بحسب الصفاء و الكدورة و القرب من عالم القدس و البعد عنه، فإن في العالم الصغير الإنساني خلائق مختلفة و قوى متعددة بعضها ملكية شبيهة بضرب من الملائكة، و بعضها شيطانية شبيهة بضرب من الشياطين و بعضها شهوية كالبهائم، و بعضها غضبية كالسباع. و الجميع خلقت لتكون مطيعة لأمر اللّه، مسخرة للقوة العاقلة، و هي مكلفة بالمجاهدة مع هذه القوى الجسمية الشهوية، و الغضبية، و الوهمية الفاسقة و الظالمة و الكافرة، و دفع معارضتها و منازعتها مع القوة العقلية التي هي من أولياء اللّه إذا كملت بالعلم و العمل، و إنما انبعثت من جانب اللّه لتسخير قواها و إرجاعها من متابعة الطاغوت إلى متابعة الحق و عودها بالمجاهدة من عالم الغرور إلى عالم النور، و من معدن الكذب إلى مقعد الصدق.
و القوة العقلية التي أرسلت و جاءت من عالم الملكوت مبعوثة على عالم البدن و جنوده و قواه مأمور من قبل اللّه تعالى بمعاداة الشيطان و مطاردة حزبه و جنوده، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ* إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [٣٥/ ٥- ٦].
فالإنسان بالقوة العقلية مأمور باتخاذ الشيطان و حزبه عدوا له و بالمناقضة معها