تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣ - مقدمة المؤلف - أشرف العلوم الحكمة
و كذا النحوي و اللغوي و الواعظ و راوي القصص و الأخبار، و إن كانوا في مراتب القصوى من فنونهم و صنائعهم، كسيبويه أو من هو أنحى منه، و الحسن البصري أو من هو أوعظ منه، و ابن القرية [١] أو من هو أحفظ منه، فإن لهم بموجب صنائعهم و علومهم غايات غريبة دنية، و هم متحدو الحقيقة بغاياتهم من حيث علومهم و صناعاتهم، و لغاياتهم غايات أخرى هي غايات لأفاعيل غيرهم أم لأفاعيلهم، لكن لا بما هم هم، و لا بما هم ذوي تلك الأفاعيل المذكورة، بل بما هم فاعلون لأفاعيل أخرى هي غاية أفاعيلهم التي ذكرناها أولا، و هكذا إلى أن ينتهى إلى آخر الغايات و نهاية الموجودات، على وجه عقلي مقدس عن التغيّر و الزمان و الحدثان.
و البرهان قائم على أن مثل هذه الغاية يجب أن يكون هو أول الموجودات، كيلا يكون ناقصا في وجوده، مفتقرا إلى غاية يتم به وجوده، و جميع الموجودات مرتبط بالخير الأعظم و الجمال الأتم، و الكمال الأرفع مستهلك وجودها في وجوده القاهر، و نورها في نوره الباهر.
و من هذا المقياس الذي ذكرناه يتفطن الذكي اللبيب، بالتفاوت في الشرف و الدنائة بين الصناعات و العلوم و ان أي خلق و ملكة يؤدي صاحبه إلى جوار اللّه و قربه، و يحشر في دار كرامته مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و أي خلق و ملكة يؤدى صاحبه إلى الهلاك الأبدي، و الشقاء السرمدي، قائلا: يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين، و يتفطن ان أجلّ الصناعات و أشرف الأعمال القلبية و الأفعال الملكية تحصيل الصناعة المسماة عند طائفة بالحكمة و الفلسفة التي هي التشبه بالإله الحق و التقرب به بقدر الطاقة البشرية، و عند أصحاب الشريعة الحقة المحمدية- على الصادع بها و آله أفضل الصلاة و اشرف التقديسات-
[١] هو أيوب بن قيس. و القرية امه ... و كان لسنا خطيبا (المعارف: ٤٠٤).