تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٨ - لمعة إلهية لازاحة ظلمة شيطانية
بالكلية، و كما ان معادن النفوس مختلفة
لقوله صلى اللّه عليه و آله [١]: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة»
فكذلك غايات قصودهم و مراكز حركاتهم و نهايات أسفارهم كما أشير إليه في قوله تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [٢/ ٦٠].
فالنفوس التي لا يكون بينها و بين الحق الأول واسطة ينجذب إلى جنابه طبعا، كما ينجذب إبرة من حديد إلى مغناطيس غير متناهي القوة، و هذه النفوس هي العارفة باللّه و صفاته و أفعاله و كتبه و رسله و اليوم الآخر، و أما النفوس الصادرة عنه بواسطة الوسائط الفلكية أو النفسية أو العقلية أو البرازخ الجسمانية الجنانية أو الجهنمية، فيقع لهم الانجذاب إلى معادنهم الأصلية لحكمة قضائية و قدرية، و إليه أشار الشيخ عبد اللّه الأنصاري في قوله: «إلهي تلطّفت لأوليائك فعرفوك، و لو تلطفت لأعدائك لما جحدوك».
فالنفوس التي لم يكن بينها و بين الأول حجاب من عقل أو نفس أو دنيا أو آخرة، فهم الذين يكونون في الصفّ الأول في القرب و العرفان بالوحي أو الإلهام أو المشاهدة، لقوله تعالى: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [٥٦/ ١٠] و أما النفوس التي بينها و بينه حجاب و واسطة، فإما أن يعرفوها من وراء حجاب أو حجب كالرسالة و الإمامة، لقوله تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [٤٢/ ٥١] فكل من هؤلاء له مرتبة معيّنة من الجنان، و درجة خاصة من مثوباتهم عن الرحمان، و إما أن يجحدوا لقاء اللّه تعالى و الدار الآخرة فلا محالة ليست درجتهم فوق أن يصلوا إلى أدنى المنازل و أسفل السوافل، و هي الجحيم التي هي حقيقة هذه الدنيا الفانية، و صورة الطبيعة التي هي الحطمة الكبرى و ستصير متطلعة على الأفئدة، لقوله تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [١٠٤/ ٧] و ستظهر صورتها الحقيقية منكشفة على من خرج من غبار هذا العالم، كصورة الجنان لمستأهليها، لقوله:
[١] المسند: من حديث أبي هريرة: ٢/ ٥٣٩.