تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٢ - رموز قرآنية و لوائح ربانية
مخالفا لما بيّنّا سابقا و لا مبطلا حشر الأجساد، بل تحققه و تصححه، لكن لغموضه و دقته يحتاج دركه إلى قلب سليم و فطرة صافية عن كدورة التعصب و التقليد، و سمع خال عن غشاوة ما يتلقف من الأساتذة أو يطالع من كتب المشايخ من غير بصيرة و لا فهم جديد، و قد بيّنّا تفاوت هذا المطلب الشريف العالي و الدر الثمين الغالي في بعض كتبنا و رسائلنا و تفاسيرنا لبعض السور و الآيات القرآنية، و برهنّا على حقيقة المعاد الجسماني في كتاب المبدإ و المعاد بمعنى إعادة الأشخاص الإنسانية بعين هذه الأبدان، لا بمجرد أشباحها و أمثالها برهانا صحيحا سالما عن النقوض، و بيانا شافيا مبتنيا على مقدمات عقلية جازمة لا يعتريها شك و طعن على ما هو دأب أهل الحكمة و المعرفة، لا مكتفيا فيه على ما يقبله الجمهور و يستحسن في المشهور، و إن لم يكن مطابقا للواقع كما هو عادة أصحاب الجدل في صنعة الكلام، و لا بد لطالب اليقين أن يراجع إلى ذلك الكتاب في مسألة المعاد لضيق المجال هاهنا عن تكثير المقال.
و أما القدر الذي يقع له التنبيه على هذا المطلب بوجه وجيه يقنع به العاقل النبيه:
إن الجسم المعيّن المحسوس و البدن المشكّل الملموس كالإنسان مثلا أمر مركب من جواهر متعددة يتقوّم بها ذاته و يظهر من اجتماعها الأبعاد الثلاثة مع أعراض لازمة أو مفارقة. و العرض المفارق الزماني لا يبقى زمانين بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [٥٠/ ١٥] لا على وجه قرّره المتكلمون، بل على وجه قرره الحكماء في الأعراض الانفعالية، ثم إذا بطل التأليف رجع كل جوهر من جواهره إلى عالمه، و الجوهر يقوم بذاته أو بمقومات ذاته، و العرض قائم بغيره، و لا يجوز له الانتقال و الارتحال من موضوع الدنيا إلى موضوع الآخرة.
لما عرفت أن العرض الزماني المستجيل مما لا يبقى زمانين، و الأعراض المحسوسة من الكميات و الكيفيات الموجودة في جواهر هذا العالم متغيرة، لما ثبت أن الأمور الطبيعية مستحيلة من حال إلى حال، متحركة في المقادير بحسب النمو و الذبول، و في الكيفيات المحسوسة و الاستعدادية و المختصة بالكميات