تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٠ - سورة السجده(٣٢) آية ١٦
مرتبة التجرد عن الخلائق، و التوحيد عن الغواشي البدنية، حتى عرفوا و شاهدوا تنزيه الباري و توحيده و حمدوه حق حمده.
و الثالثة: إنهم لا يستكبرون عن سماع آياته، كما يستكبر عنه من يصر مستكبرا كأن في أذنيه وقرا، لأنه لا يبلغ إلى مقام الايمان إلا بسماع العلوم و الآيات و نحوه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَ يَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا [١٧/ ١٠٧] و لا يتكبرون أيضا على أحد بظهور صفات النفس و الانانية، و ذلك لفنائهم ذاتا و صفة و استغراقهم في شهود ذاته تعالى و صفاته كيف و الوجود مقصور عندهم على ذاته تعالى و صفاته و أفعاله، فعلى من يتكبّرون؟
و أما خواصهم الثلاثة العملية فهي التي ذكرها اللّه في قوله سبحانه:
[سورة السجده [٣٢]: آية ١٦]
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [١٦]
«التجافي عن المضاجع» ظاهرا تنحي أبدانهم عن الفراش و مواضع النوم لصلاة الليل، لأنهم المتهجدون بالليل القائمون عن مواضعهم للصلاة- عن الحسن و مجاهد و عطا، و هو المروي [١] عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام.
و باطنا تنحي أرواحهم بحسب قواهم العملية عن الغواشي الطبيعية و الشواغل الجسمية التي تلي الجنبة السافلة منها، و القيام عن المضاجع البدنية و الخروج عن عالم الأجسام بقطع التعلقات و محو الآثار، أو عن عالم الإمكان بمحو الصفات.
روى الواحدي [٢] بإسناده عن معاذ بن جبل «قال: بينا نحن مع رسول اللّه
[١] تفسير البرهان: ٣/ ٢٨٤.
[٢] أسباب النزول للواحدي: ٢٦٢. و فيه فروق.