تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩ - دراية كشفية
سبحانه إلى مرتبة قوم آخرين بقوله: فصّلنا الآيات.
فقد انجلى لك- أيها المسكين- أن ما ارتسم في لوح السالك المبتدي حروف أبجد ليستعد بذلك الانتقاش بمفاد قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [٩٦/ ١] و عند ذلك يسهل عليه معرفة القرآن و تعلم لفظه و معناه و منطوقه و فحواه وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [٥٤/ ١٧].
و هذا التذكير لا يتيسّر إلا لمن دارس و تعلّم من مكتب:
«أول ما خلق اللّه نوري»
[١] و كان معلّمه و استاذه مفاد
قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ادّبني ربّي فأحسن تأديبي» [٢]
لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، و يعلم ما لم يكن يعلم قبل ذلك بأسباب أخر، من فكر أو سماع أو تعلّم أو رواية، بل بأن يكتب اللّه القرآن بقلم العقل على لوح نفسه: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [٩٦/ ٤].
و حينئذ يظهر له في هذا المكتب الذي لأطفال الأرواح و أولاد روح القدس، و هو أبوهم و معلمهم و أستاذهم، ما معنى اللوح و القلم و النون و ما يسطرون، فإن العناية الربانية لما تعلقت بتربية الأطفال و الأولاد الملكوتية أفاد لهم و رزقهم من تحف ذلك العالم و هدايا الجنة في كسوة الحروف المفردة و الظروف المقطعة على طريق الرمزو الإشارة، لئلا يطلع عليها الأغيار، ممن ليس له قوة الارتقاء إلى منزل الأخيار.
اعلم أيها القاري العاري إن القرآن انزل إلى الخلق مع ألف حجاب، لأجل فهم ضعفاء العقول و الأبصار، فلو فرض أن باء بسم اللّه مع عظمته التي كانت له نزّل إلى العرش على حالته التي كانت عليها، لذاب العرش مع عظمته و اضمحلّ، و قوله:
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ- الآية- [٥٩/ ٢١] إشارة إلى ذلك.
رحم اللّه من قال كاشفا لهذا المعنى: «كلّ حرف في اللوح أعظم من جبل
[١] بحار الأنوار: كتاب الامامة، باب بدء خلقهم و طينتهم و أرواحهم: ٢٥/ ٢٢.
[٢] الجامع الصغير: باب الالف ١/ ١٤.