تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٥ - الاولى
مكاشفة
هذه الآية كنظائرها مشتملة على إشارات إلى فوائد نفيسة من علم المبدإ و المعاد، و تنبيهات على فوائد شريفة من معرفة سلوك طريق الآخرة و أخذ الزاد ينبغي التنبيه عليها:
الاولى:
الإشارة إلى كيفية إرسال الرسل و إنزال الكتب، و بيانه: إن سعادة الإنسان منوطة بأمرين: أحدهما الاطلاع على الحقائق و المعقولات بالعلوم الكلية.
و ثانيهما الاتصاف بالصفات المحسنات و التنزّه عن القيود و المضايق السفليات بالآراء العلمية.
و هذه الكمالات مما يخلو الإنسان في أول الحدوث لكونه ضعيف الخلقة، كما أشار إليه بقوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [٤/ ٢٨] بل فائضة عليه من اللّه تعالى بتوسط الملائكة العلوية، و ليس كل واحد من الناس مما تيسّر له التفطّن بالكمالات، و الاتصال بعالم العلويات إلا من أيّد بروح قدسي يتصل بفيض علوي، و يعلم الأشياء بإلهام غيبي و مدد سماوي، و هذا الإنسان هو «النبي» أو «الولي» و ما يقبله بحسب صفاء باطنه و إشراق روحه عن الملك الملقي إليه المعارف هو «الوحي» للأنبياء أو «الإلهام» للأولياء. و ستعلم الفرق بينهما.
فلا بد لهداية الخلق و إرشادهم إلى طريق النجاة و إيصالهم إلى المعاد من وجود متوسط بينهم و بين اللّه يأخذ منه العلوم و الكمالات من غير تعليم بشري، و يوصل إليهم وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ كيف و لو أخذ كل إنسان علمه من إنسان آخر- من غير أن ينتهى إلى الوحي و الإلهام- لادّى ذلك إلى غير النهاية، فلا بد من الانتهاء إلى من يأخذ العلوم و الكمالات من معدن اللاهوت بلا تعلّم أو تقليد.