تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٦ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ٢٥
و ربما يطلق على المبدإ العالي لحقيقة الشيء و تحصّله و تميّزه، فإن الصور النوعية عند طائفة هي الفصول المنوعات للحقائق الجرمانية، و عند طائفة اخرى يطلق الصور على المفارقات النورية و الجواهر العقلية الواقعة في عالم الصور المفارقة، كما هو عند أفلاطون الإلهي و الرواقيين و أئمتهم الأقدمين كسقراط و فيثاغورس و أنباذقلس و أغاثاذيمون، و عند طائفة اخرى هم أعلى مرتبة و أدق مسلكا (و أمتن) دليلا و أجل ذوقا و أوثق برهانا و أرفع نظرا، و هم الحكماء الايمانيون و الأفاضل الربانيون كأبي يزيد البسطامي و سهل التستري و الجنيد البغدادي و محيي الدين الأعرابى و تابعيهم، إن اسماء اللّه تعالى بعينها مبادي الفصول الذاتية للحقائق الإمكانية، و ما يحاذيها من الصور المجردة في عالم العقول أو الصور الحسية في عالم الجسم مستهلكة التأثير و الأثر تحت سطوع الأنوار الإلهية و الأسماء الربوبية، استهلاك النور الضعيف في النور الأقهر القوي، و اضمحلال وجود السافل تحت وجود العالي.
فإذا علمت هذا و تذكرت ما ادعيناه فيما سبق، من أن الإنسان بحسب الباطن و النشأة الاخروية أنواع كثيرة حسب كثرة الأخلاق المتخالفة، و الصفات الغالبة الراسخة المتنوعة، أيقنت معنى كون «يوم القيامة» «يوم القضاء» «و يوم الفصل بين الخلائق» فاللّه يقضي بينهم يوم القيامة بحسب ظهور مظاهر أسمائه و مجالي شئونه، و يفصل بينهم بالحق و يميز المحق عن المبطل في ما يختلف فيه من الأديان و المذاهب، و قد مرّ منا نقل آيات دالة على أن أنواع الإنسان كثيرة بحسب النشأة الآخرة، و ظهور هذه الكثرة في حقائق الإنسان إنما يتوقف على قيام الساعة لقوله تعالى: وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [٣٦/ ٥٩].