تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٢ - مكاشفة
لهلاكه، و رب جاهل مذنب يكون تحسّره و حزنه على قصوره و عصيانه سببا لنجاته يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً.
فهؤلاء لما ظنوا انهم استخدموا لأجل المساكين أو لأجل اللّه تحيرت عقولهم و ضلّت أفهامهم فقالوا: لا حظّ لنا في المساكين، و لا حظّ للّه فينا و في أموالنا «أنفقنا أو أمسكنا». و لم يعلموا أن المسكين الآخذ لمالك يزيل- إذ يقلّل- حبّ البخل وحب الدنيا من باطنك، فإنه مهلك لك، فهو كالحجّام يستخرج الدم من عروقك ليخرج العلة المهلكة من باطنك.
و لما كانت الصدقات مطهّرة للبواطن و مزكاة لها عن خبائث الصفات، و غسّالة لذنوبهم- لأن بالمال يتمكّن الإنسان من المعاصي- امتنع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم من أخذها و انتهى عنها، كما نهى عن كسب الحجّام، و سمى الصدقات أوساخ أموال الناس و شرّف أهل بيته بالصيانة عنها.
فهذا هو القول الكلي و السبب العقلي في وجوب الإنفاق، و قد سبق إن الأعمال مؤثرات في القلب، و القلب بحسب تأثيرها يستعد إما لقبول الهداية و نور المعرفة و الإلهام، و إما لقبول الغواية و ظلمة الجهل و الوسواس، و لا يبعد أن يكون قوله تعالى: وَ لا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ* لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ [٦٩/ ٣٧] إشارة إلى حال عاقبة عمّال الزكاة و متولّي الأوقاف الذين يأكلون حقوق المساكين من غير استيهال و لا اضطرار.