تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - تنبيه فرقاني
و الآيات الإلهية، و بالبصر مشاهدة أولياء اللّه و أحبائهم و معارفهم و تصديق حالهم، و بالفؤاد الروح القدسي الواصل إلى اللّه تعالى بنور العرفان.
و هذه المعاني الأخيرة مما لا اشتراك لجميع الناس فيه، بل يختص بالمقرّبين، و كذلك معانيها المتوسطة مما لا يشترك الجميع فيه إلا أنها أشمل وجودا من الأخيرة، بل يختصّ بالمتوسطين من الناس، و هم أصحاب اليمين و أهل السعادة العملية، الفائزون بنعيم الآخرة بميراث عملهم، إن لم يكن أعمالهم مشوشة مغشوشة بالجهل المركّب و الاستبداد بالرأي، و الخروج عن صفو الاستعداد المطلق بالأكدار الاعتقادية الباطلة الوهمية في أحوال المبدإ و المعاد.
فإذا علمت هذا فاعلم إن قوله «وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ» لما وقع في معرض الامتنان و إظهار الإحسان، فالظاهر ان المراد بالسمع و البصر هاهنا ما يختصّ بأحباء اللّه و المتألّهين و المقربين، لا المبعدين الناكرين ممن ليس لهم نصيب من القرآن، و هم عن السمع لمعزولون وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [٨/ ٢٣] و لا من الذين كانوا عمي القلب عن مشاهدة الحقائق كأبي لهب و أبي جهل و نظرائهما في الجهل و العمى و الصم عن مشاهدة آيات اللّه و سماع ذكر الحبيب.
و لو كان لفظ السمع و البصر و القلب أينما وقع في القرآن كان المراد منه ما وقع فيه الاشتراك لجميع الناس من هذه المشاعر الحسية الدنياوية لما سلب اللّه سبحانه معانيها عن أهل الكفر و الجهل بقوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [٢/ ١٧١] مع وجود هذه الآلات فيهم، و كذا قوله: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ [٧/ ١٧٩] لعدم انتفاعهم بهذه الآلات بصرفها فيما خلقت لأجله ليزيدهم بسبب شكر هذه النعم الدنياوية نعمة بواطن هذه المشاعر و حقائقها، أو لعدم نصيبهم عن تلك النعم الباطنية و زوال استعدادهم و استحقاقهم لها