تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٥ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) آية ٢٥
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً [٧/ ١٤٥] و قال تعالى تشريفا لنبينا صلى اللّه عليه و آله و سلم: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [٥٣/ ١٠] انظر و تدبر كيف قال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [٥٨/ ٢٢] فشتان بين نبي تشرّف بكتابة الموعظة له في الألواح و بين نبي تشرف أمته بكتابة الايمان لهم في قلوبهم.
و تاسعها: إن من خصائص انزال القرآن بما هو كلام اللّه إنّه متى نزل على قلب أحد صار خاشعا متصدعا من خشية اللّه لقوله سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٥٩/ ٢١] و
لما نزل على قلب الرسول صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية اللّه، حتى قال كما هو المروي عنه: «أنا أعلمكم باللّه و أخشاكم منه» [١]
و أما انزال الكتب فليس من لوازمه الخضوع و الخشوع و التخلق بأخلاق اللّه، و لذا قيل لو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السّلام لا في الألواح، لعله ما ألقى الألواح في حال الغضب، و ما احتاج إلى صحبة خضر عليه السّلام، لتعلمه العلم كما حكى اللّه تعالى عنه بقوله: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً* قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [١٨/ ٦٦- ٦٧].
قوله سبحانه: [سورة السجده [٣٢]: آية ٢٥]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [٢٥]
«الفصل» هو ما يميز به الشيء عن غيره بحسب تجوهر ذاته و قوام حقيقته، و كثيرا ما يطلق الفصل على مبدئه القريب، كالنفس الحيوانية للحساس، و النفس الناطقة للناطق، فإنهما مبدءان قريبان لهذين الفصلين المنطقيين المحمولين بوجه، و بوجه آخر هما عين هذين إذا أخذ كل منهما لا بشرط شيء من التقييد و الإطلاق،
[١]
في البخاري: ٨/ ٣١. و المسند: ٢/ ٤٥ و ١٨١ بلفظ: لأنا أعلمهم باللّه عز و جل، و أشدهم له خشية.