تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٧ - الفائدة الثالثة
الجود و الخير من غير استعداد و تركيب- و هي التي تسمى «بعالم الأمر» لوجودها عنه تعالى بمجرد أمره، من غير توسط وجود قابل، و استدعاء افتقار ثابت و تضرع بلسان استعداد لوجودها، و صدورها عنه تعالى على هذا الوجه، و هي عقول مفارقة هي «الملائكة المقربون» و عالمها «عالم القضاء».
ثم نفوس مجردة هي «الملائكة المدبّرون» و عالمها «عالم التقدير و التدبير» ثم أجرام سماوية و عالمها «عالم الأعمال و الحركات» التي تنشأ منها العناصر الأربعة بتوسط هيولاها المشتركة، و هي نهاية تدبير الأمر المشار إليه في قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ. [٣٢/ ٥] و أما الموجودات الفائضة عنه بتوسط المواد و القوابل و الاستعداد فهي المركبات على هذا الوجه: المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان ثم أول درجة الإنسان و هو الذي في أوائل العقول، ثم مرتبة أهل الايمان ثم مرتبة العلماء ثم الأولياء و الأنبياء.
و عند الوصول إلى رتبة الأولياء و الأنبياء وقع الوصول إلى الحق، فرجع سلسلة الموجودات في الصعود إلى الحق ثانيا عند ارتفاعها عن درجة النقصان و الخسّة إلى حيث نزلت منه تعالى أولا، فهو تعالى مبدأ الأشياء و غايتها، و هو الأول و الآخر.
و إذا تمهد هذا: فقوله: لقد أرسلنا- إشارة إلى عالم الملكوت المتوسطة بينه و بين الخلق، و هو مشتمل على الملائكة و الأنبياء، و لا يتم النبوة إلا بالملك النفساني الذي يخبر بالحوادث الآتية و الماضية، و لا ينصلح اخباره للرسول إلا بعد استعلامه من الملك العقلاني المتوسط بينه و بين اللّه، الذي يستفاد منه حقائق الاعتقادات الكلية، فكما إن الأنبياء يصلحون اعتقادات الخلائق، فكذلك الملائكة يصلحون بعضهم بعضا إلى أن ينتهى إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل قوام، و مطلع كل حسن و نظام.