تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٢ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٠
و جنوده يستلذّ بها و ينسرح فيها حيث يشاء.
قال بعض العلماء ١٣٨: إن إبليس لما تمّت حيلته على آدم، و وصل بالأذية إليه، و نال بغيته و بلغ أمنيته، و سأل ربه الإنظار إلى يوم يبعثون فأجيب إلى يوم الوقت المعلوم، اتخذ لنفسه جنّة غرس فيها أشجارا ١٣٩ و أجرى فيها أنهارا ليشاكل بها الجنّة التي أسكنها آدم، و قاس عليها و هندس على مثالها هندسة فانية مضمحلة لا بقاء لها و جعل مسكن أهله و ولده و ذريته و هي كمثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، و ذلك إنه من الجن، و قد قيل: إن للجن التخيّل و التمثل لما لا حقيقة له، كذلك فعل إبليس و جنوده إنما هو تمويه و تزويق و مخاريق لا حقيقة لها و لا حق عندها ليصدّ بها الناس عن الطريق القويم و الصراط المستقيم، و بذلك وعد ذريّة آدم إذ قال: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (وَ مِنْ خَلْفِهِمْ) وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [٧/ ١٧].
و الجنة التي غرسها إبليس لذريّته ليصدوا بها ذريّة آدم عن الجنة التي كان فيها هي الأمور الدنياوية و الشهوات الدنيّة الوهمية و فعل الخطايا و المآثم، و ارتكاب المحارم، و حب القنية الفانية، و الخروج عن طاعة اللّه و متابعة الذين أخلدوا إلى الأرض و رغبوا في الدنيا و عاجلها، و دعوا الآخرة و آجلها، التي هي دار القرار و محل الأخيار و مقام الأبرار و جميع هذه الأمور لعب و لهو كما وصفها اللّه تعالى به، فالعاقل هو الذي وفّق للخروج من جنّة إبليس فيرجع إلى جنّة أبيه و ذريّته الطاهرين و يتخلص من أدناس ذرية إبليس أجمعين و أتباعهم، و هم المعتكفون على الأمور الدنياوية المكبّون على اللذات و الشهوات الدنية التي ستنقلب بعينها في الدار الآخرة إلى ألوان العقوبات و أنواع الآلام و المحن الشديدة كما أشار سبحانه بقوله في هذه الآية: وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ فهم في العذاب مشتركون و بذلك وعد ربهم إذ قال لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [٣٨/ ٨٥].