تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٠ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٨
لكم في ترككم الاعتقاد بوحدانية المعبود و ما أتى به النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و قد أقيمت البراهين على ما تؤمرون به سمعا و عقلا؟
أما الأول: فلأن الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، و العقل السليم عن الأمراض و الآفات النفسانية مجبول على الاعتقاد بصدق قوله بما أظهره اللّه على يده من المعجزات التي هي خارجة عن طوق البشر.
و أما الثاني: فلنهوض البراهين القاطعة الدالة على الايمان باللّه و الرسول، و كون الغريزة الإنسانية مرتكزة فيها التصديق بحقائق الايمان مفطورة عليها، كما أشار إليه بقوله تعالى: و قد أخذ ميثاقكم.
و الحاصل إنه أيّ عذر لكم في ترك الايمان بعد ما ازيحت عنكم العلل، و أوضحت لكم السبل، بما ركب فيكم من غرائز العقول، و نصب لكم من دعوة الرسول المؤيدة بالدلائل و الآيات التي ينبه لكم بها على الايمان بمن هو ربكم، دون من هو مربوب مثلكم؟ ٨٣ ان كنتم مؤمنين- أي: ممن يهمّكم التصديق بما يقوم البرهان الواضح على صحته، فقد قام ذلك عقلا و سمعا و هما فطرة العقول و دعوة الرسول؟
هذا إذا جعل خطابا للمشركين، فإن جعل خطابا للمؤمنين فمعناه: أيّ سبب يزيلكم عن الايمان و الرسول بين أظهر كم يدعو كم إلى الثبات عليه و قد أخذ هو عليه ميثاقكم إن كنتم مؤمنين موقنين بشرائط الايمان؟ و هو كقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ* وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ [٣/ ١٠٠] و على التأويل الأول أخذ الميثاق من اللّه على عباده هو ميثاق الخلقة، و قيل هو أخذ ميثاق الذرية.