تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٦ - قوله تعالى سورة الحديد(٥٧) آية ١
السلوب و التقاديس، كقوله تعالى بعد ما ختم سورة الواقعة بالأمر بالتسبيح.
سَبَّحَ لِلَّهِ- أي: نزّهه و قدّسه عما لا يليق بشأنه مما يوجب التكثر و التغيّر، و برّئه من كل نقص- ما في السموات و الأرض.
وَ هُوَ الْعَزِيزُ- في ذاته- و الحكيم- في أفعاله لكونها على أحكم ترتيب و أتقن نظام.
و الصيغة تدل هاهنا على أن ما أسند اليه الفعل ذلك هجيّراه و ديدنه، و يؤكد ذلك مجيئه على صيغة المضارع أيضا في بعض الفواتح و هذا الفعل يتعدى باللام تارة و بنفسه اخرى، و أصله الثاني، لأنه المنقول من سبّح إذا ذهب و بعد. فمعنى سبحته بعدّته عن الشين. فاللام فيه إما أن يكون كاللام في «نصحته» و «نصحت له».
أو يكون معنى الكلام: أحدث التسبيح ابتغاء لوجه اللّه خاصة ما فيهما.
قال مقاتل: يعني كل شيء من ذي الروح و غيره و كل خلق فيهما. و لعل الغرض إن العقلاء يسبحونه قولا و اعتقادا و ما ليس بعاقل من سائر الحيوانات و الجمادات فيسبحه بما فيه من الأدلة الدالة على وحدانية مبدعه و صفاته التي تخصّه، فعبّر سبحانه عن هذه الدلالة بالتسبيح كأنها إقرار منهم بلسان الحال من جهة إمكانها و حدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته.
و يجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ و الدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه، و عليهما عند من جوّز اطلاق اللفظ على معنييه و جوز بعضهم أن يكون «ما» هاهنا بمعنى «من» و يؤيده ما حكى أبو زيد إن الحجازيين كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: «سبحان ما سبّحت له» ٨ و قيل: المراد منه كل ما يتأتّى منه التسبيح.
هذا تمام كلام الأعلام في هذا المقام، و لا يخفى عدم ملائمة كل من التأويل و التخصيص المستفاد من كلامهم لكثير من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية الدالة على تسبيح جميع الموجودات حقيقة- حتى المسمى بالجماد و النبات.