تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٩ - الفائدة الثالثة
إلى وجود صورة الإنسان بحسب القسط و العدل في كيفيات عناصره و كمياتها و هو المزاج المعتدل الإنساني الذي هو أشرف الأمزجة المعبّر عنه بالتسوية في قوله:
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [١٥/ ٢٩].
و كون الميزان إشارة إلى الاعتدال في الكيفيات و الصفات الجسمانية لأجزاء البدن لا ينافي كونه إشارة إلى العدالة في الأخلاق النفسانية، أما علمت أن وجوه فهم القرآن لا ينحصر في واحد،
فإن للقرآن ظهرا و بطنا وحدّا و مطلعا- كما ورد في الحديث [١] عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم-
بل ذلك الوجه يلائم هذا الوجه و يطابقه تطابق الظاهر للباطن، إذ العوالم متطابقة، و النشآت متحاذية، فالاعتدال في المزاج يستدعي أن تكون الصورة الإنسانية الفائضة عليه عدلا في الصفات المعنوية و اصول الأخلاق النفسانية، التي هي بمنزلة صور الكيفيات الجسمانية.
و قوله: وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ- إشارة إلى درجة المعادن، و هي الدرجة النازلة من المواليد، كما إن الدرجة الإنسانية من الحيوان- المشار إليها بقوله: ليقوم الناس بالقسط- هي الدرجة العالية منها.
و قوله: وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ- يومي إلى درجة النباتات لأن الحديد آلة الحرث و الغرس. على أن من الإشارة إلى الجماد و إلى نوع من الحيوان و هما الطرفان النازل و العالي من المركبات- لزمت الإشارة إلى النبات بالالتزام على ما مر من توقف النوع الأشرف على النوع الأخسّ في سلوك الطبيعة درجات الصعود إلى الحق، كما يتوقف الأخسّ على الأشرف في النزول عنه، و إلى الحيوان بالتضمن، لأن الحيوان بما هو حيوان جزء من الإنسان، و دلالة الشيء على جزئه بالتضمن.
و أما قوله: وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ- إشارة إلى درجة أهل الايمان و المعرفة، لأنهم ينصرون دين اللّه بالمجاهدة مع الكفار، و هم متفاوتون في الفضيلة، و أفضلهم
[١] قال العراقي (ذيل احياء العلوم: ١/ ٩٩): أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود، و رواه العياشي (١/ ١١) بلفظ آخر.