تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣ - تبصرة
كما بيّن عددها و ترتيبها بالرصد و الحساب في علم الهيئة.
و قوله تعالى «ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ» إشارة إلى وجود سلسلة العود إليه و رجوع الأشياء إلى فطرتها الأصلية، و ذلك بتمزيج العناصر الحاصلة من هيولى هذا العالم و تحصيل مزاج متوسط بين الأضداد، معتدل بعيد عن الفساد، مظهر اسم اللّه الجامع المستحق لخلافته تعالى، فيبتدئ الوجود فيها من أخسّ الموجودات رتبة إلى الأشرف فالأشرف، و هي الهيولى الاولى، ثم الجسم المطلق، ثم المركب المعدني، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان، ثم ذو العقل الهيولاني، ثم ذو العقل بالملكة، ثم ذو العقل بالفعل، و هلّم جرّا إلى مرتبة الأنبياء و الأولياء الواصلين إلى عالم الربوبية و مجاورة الحق الأول و الملائكة المقربين.
و قوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ يحتمل أن يكون ظرفا لقوله: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» مع ما يتلوه، أو لقوله: «ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ» و على الوجهين لا تفاوت في التقدير لأن التقدير بالزمان يختص بسلسلة العائدات، و أما البادئات فوجودها عنه تعالى دفعي كلمح البصر لا يتقدّر بالزمان أصلا.
تبصرة
قيل: «الْأَمْرَ» هو المأمور به من الطاعات و الأعمال الصالحة ينزلّه مدبرا من السماء إلى الأرض، ثم لا يعمل به و لا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصا كما يريده و يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة عمال اللّه و الخلص من عباده و قلة الأعمال الصاعدة لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص، و دلّ عليه قوله تعالى على اثره «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» أو يدبّر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام اللّه، و هو ألف سنة كما قال: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٢٢/ ٤٧].
ثم يعرج إليه أي يصير إليه و يثبت عنده و يكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر و يدخل تحت الوجود، إلى أن تبلغ