تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٤ - تبصرة
المدة آخرها، ثم يدبّر أيضا ليوم آخر و هلمّ جرا إلى أن تقوم الساعة.
و قيل ينزل الوحي مع جبرئيل عليه السّلام من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحى أو ردّه مع جبرئيل عليه السّلام، و ذلك في وقت هو بالحقيقة كألف سنة، لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط و الصعود لأن ما بين السماء و الأرض مسيرة خمسمائة سنة، و هو يوم من أيامكم لسرعة جبرئيل عليه السّلام، لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، و قيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله، أي يصير إليه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة- و هو يوم القيامة-.
و انى أقول- و العلم عند اللّه- يحتمل أن يكون «الأمر» في قوله «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» إشارة إلى الروح الإنساني لقوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١٧/ ٨٥] و ذلك لمروره على مراتب الموجودات عند خروجه عن مقام الفطرة الأصلية و نزوله في العالم الأرضى بحسب الانسلاخ عن عالمه الأعلى، ثم عروجه من هذا العالم الأسفل بحسب العلم و العمل- إن ساعده التوفيق من الأزل- إلى مقامه الأصلى لقوله سبحانه لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٩٥/ ٤- ٥].
و كون بدو وجود الروح الإنساني من عالم القدس لا ينافي قوله تعالى:
وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ [٣٢/ ٧] لأن الخلق لكونه بمعنى التقدير عبارة عن جسمية الإنسان و قالبه، و فطرة الروح غير فطرة البدن، لأن بداية أحدهما من التراب و بداية الآخر من رب الأرباب، ما للتراب و رب الأرباب.