تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٠ - الاولى
و كسوتها إياها، فيؤثر في استحالة الهواء إلى الغيم، و حدوث الأمطار، و حصول الطوفانات، و استهلاك أمة فجرت و عتت عن أمر ربها و رسله، و استشفاء المرضى، و استسقاء العطشى، و خضوع الحيوانات.
و هذا أيضا غير مستحيل لما قد علمت إن الأجسام مطيعة للمجردات، بل هي ظلال لها و عكوس منها، فكلما ازدادت النفس تجردا و تشبّها بالمبادي القصوى ازدادت قوة و تأثيرا في ما دونها، و إذا صادقت أن مجرد التصور و التوهم يحدث هذه التغيرات و الانفعالات في هيولى البدن و ليس ذلك لكون النفس ملاصقة بالبدن منطبعة فيه، بل لتعلق قهري و ارتباط عليّ (عقلى) و علاقة شوقية لها به، فلا تتعجب من نفس شريفة قوية تؤثر في بدن الغير و في هيولى العالم مثل هذا التأثير، لأجل مزيد قوة شوقية، و اهتزاز علوي، و محبة إلهية لها و شفقة لها على خلق اللّه شفقة الوالد لولده و الام لولدها، فيؤثر نفسه في إصلاحها و إهلاك ما يضرها و المجاهدة مع ما يفسدها.
و كما إن الخاصية الثانية توجد بوجه غير مرضي و لا محمود في نفوس الأشرار، فكذا هذه الخاصية يوجد شيء منها في بعض النفوس القوية من غير تأله و لا معرفة، بل لشدة قوته التأثيرية قد يتعدى تأثيرها في بدن آخر حتى يفسد الروح بالتوهم، و يعبّر عن هذا بإصابة العين.
كما
روي عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم إنه قال: «العين يدخل الرجل القبر، و الجمل القدر» و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم أيضا: «العين حق» [١]
فإذا كان هذا النحو من التأثير- أي بدون آلة جسمانية- ممكنا في حق الأشرار، فما ظنك بنفوس عظيمة شديدة القوة شديدة البرائة عن المواد، كيف لا يتعدى تأثيرها عن بدنها و عالمها الصغير إلى غيره فيؤثر في هيولى العالم تأثيرها في بدنه، و مثل هذا يعبّر بالكرامة و المعجزة عند الناس.
[١] الجامع الصغير: باب العين، ١/ ٧٠.