تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٥ - لمعة إلهية لازاحة ظلمة شيطانية
عنه طبيعة و لا جسم و لا عقل و لا نفس و لا سماء، و لا أرض و لا برّ و لا بحر و لا ملك و لا حيوان، إلا من غلب عليه الوهم من شياطين الإنس و الجن، فجميع الموجودات متوجهة نحو المبدإ جل شأنه طبعا و إرادة لقوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [٤١/ ١١] إلا ان الإنسان الكامل ممن وصل في سيره الحثيث إلى المقصود الأصلى، و المحبوب الأول العلي، و بلغ إلى الغاية التي يتوجه إليها بحسب فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، و رجع و عاد إلى المبدإ الذي فارقه و صدر عنه، كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [٧/ ٢٩- ٣٠] وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [٢٢/ ١٨].
فإذا علمت هذا فاعلم أن هذه الحركة المعنوية الإنسانية من لدن كونه منيّا و جنينا إلى غاية كونه بالغا عاقلا ذكيا صبورا شكورا حكيما وليا، و هلمّ إلى أن يصل إلى جوار اللّه و قربه، لا بد لها من موضوع باق من أول الحركة إلى منتهاها، و إلا لم يكن الشاب ما كان طفلا صغيرا بعينه، و لا الذي سيكون شيخا كبيرا، و مع ذلك فقد تبدل منه جميع ما كان له من مقداره و كيفه و أينه و وضعه و متاه و انفعاله و فعله و جميع ما يقال له في عرف أهل النظر العوارض المشخصة.
فقد علم إن من ظنّ أن هذه الأمور مفيدة للتشخص، أو هي بأعيانها مساوقة للشخصية، فقد أخطأ خطاء فاحشا، بل أمثال هذه الأمور ما هي إلا أمارات لشخص واحد و آثار منسوبة إليه بوجه من الوجوه من غير علاقة لزومية بينها و بينه، و إنما الهوية هي نحو وجوده الذي هو نصيبه من فيض الربوبية، و لكل وجود من الوجودات الفائضة عنه تعالى شئونات مختلفة متفاوته في كثرة التطورات و قلّته، بحسب سعة قوته و بسط نشأته و الوجود في غير الإنسان من موجودات هذا العالم ليس له إلا مجال ضيق من حد من النقص إلى حد من الكمال بحسب الدنيا كالبذر الذي يصير ثمرة، كان انتقاله من حد الجمادية إلى حد النباتية، او كنطفة الحيوان التي تصير حيوانا غير ناطق، فإن سعة سيره و مسافة سفره من حد الجسمية إلى حد الحيوانية.