تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٧ - خاتمة
البطيئة مائلة عن دائرة الحركة السريعة لما مالت إلى النواحي شمالا و جنوبا فلم تنتشر منافعها على بقاع الأرض.
و لو لا ان حركة الشمس- خصوصا- على هذا المنوال من تخالف سمتها لسمت الحركة السريعة لما حصلت الفصول الأربعة التي يتم بها الكون و الفساد، و ينصلح بها أمزجة البقاع و البلاد، و لما كان القمر نائبا للشمس خليفة لها في النضج و التحليل، و الإصلاح و التعديل، و إذا كان قوي النور جعل مجراه يخالف مجراها، فالشمس يكون في الشتاء جنوبيّة و القمر شمالية لئلا ينعقد السببان، و في الصيف بعكس ذلك لئلا يجتمع المسخنان، و لما كانت الشمس في أيام الصيف الطوال شمالية الحركة و في أيام الشتاء القصار جنوبيّتها و لها أوج و حضيض متقابلان بينهما نصف دور جعل اللّه تعالى بحكمتها البالغة أوجها في الشمال و حضيضها في الجنوب لينجبر قرب الميل عن سمت الرأس ببعد المسافة لئلا يشتد التسخين بالتنوير، و ينكسر بعده بقربها لئلا يضعف القوة المسخنة عن التأثير، كل ذلك لحكمة العليم القدير الحاصلة من تخالف الليل و النهار و تفاوتهما في المقدار.
و لما كان بيده وجود الأسباب المؤدّية الى خلقة الإنسان بدنا و نفسا، صورة و معنى كان عالما بصفاته الظاهرة البدنية و ملكاته الباطنة النفسانية، فذكر إنه عليم بذات الصدور ليعلم أنه ناقد بصير لا يخفى عليه قليل و لا كثير، فيجازي على كل عمل قلبي كما يجازي على كل حركة بدنية.
(٧) و لما بيّن إنه سبحانه متصّف بغاية العظمة و الجلال، منعوت بكونه مبدأ أعلى و غاية قصوى للكل يستوضح لذوي البصيرة إن الكل محتاجون إليه في الوجود، و خصوصا المعلول الذي تضاعف فيه وجوه الحاجة، و كثرت عنده جهات الامكانات الذاتيّة و الاستعدادية، و لا شبهة في أن من هو موصوف بغاية الفقر و الفاقة من شأنه التشبث بمن هو منعوت بالكرم و الإفضال، و من دأبه التضرع و الابتهال و طلب التخلّص عن القصور و الوبال ممن هو على غاية التمام و الكمال، و استدعاء الاستمداد و الاستكمال ممن هو في نهاية العظمة و الجلال، متبرّئ الذات