تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٧ - قوله تعالى سورة الحديد(٥٧) آية ١
منها قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ [٢٤/ ٤١].
و منها قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [٢٢/ ١٨].
و في هاتين الآيتين إشعار بأن هذا تسبيح فطري ٩ و سجود ذاتي نشأ عن تجلى الحق لكل من خلق اللّه له و أنطقه الذي أنطق كل شيء، فأحبّوه و تواضعوا له من غير تكليف، بل اقتضاء ذاتي طباعي، و الذي يمنع من هذه العبادة الذاتية الأفكار الوهمية و التخيّلات الشيطانية التي تكون لأكثر الناس التي بها يستحق كثير منهم العقوبة و العذاب، كقوله تعالى: وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ [٢٢/ ١٨].
و النكتة في أن «ألم تر» اتي بها بصيغة خطاب المفرد إن غير النبي لم يشهد ذلك فهو له عيان، و لنا ايمان. ١٠ و منها قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ [١٦/ ٤٨].
و كذا أمثالها و نظائرها من الآيات الدالة على وقوع التسبيح من جميع الموجودات حقيقة على وجه يستلزم الشعور و الإدراك، و كفاك في هذا التعميم و الشمول قوله تعالى:
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [١٧/ ٤٤].
و حكاية تسبيح الحصى في كفّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و سماعه و إسماعه أمر مشهور و في ألسنة الرواة مذكور، و بالايمان و التصديق مقرون عند الجمهور.
و يعتضد أيضا بما
روي عن ابن مسعود إنه قال: كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله حجر و لا شجر إلا و يقول السّلام عليك يا رسول اللّه [١]
و أمثاله كثيرة في الروايات فلا وجه للعدول عن الظاهر المنقول المتلقى بالقبول
[١] رواه الترمذي عن علي عليه السّلام: كتاب المناقب، باب ٦: ٥/ ٥٩٣.