تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨ - دراية كشفية
يرونها متصلة، و لكن إذا انكشف الحجاب و فتحت الأبواب و تجلى جمالها يرونها بالبصيرة الباطنية هكذا: ي، ح، ب، و، ن، ه، م، و إذا ارتفعوا عن ذلك المقام إلى مقام أعلى يرونها نقاطا و تصير الحروف المفردة بالقياس إلى من في تلك الدرجة نقطا، و إذا وصلوا إلى مقام القرب رأووا النقاط كلها مستهلكة في نقطة باء «بسم اللّه».
و أنت- أيها الساكن في بيت حجابك، المقيد بقيود هواك و نفسك إنك لم تخرج حتى الآن قدما من عتبة بابك التي أنت معتكف فيها إلى طريق الحق، و لم ترغب في طلب معرفته و الاطلاع على أسرار ملكه و ملكوته، و مطالعة كتابه الذي ورد منه إليك، و لم تحصل بعد، مفردات حروف الجمل في معلمة العشق و مدرسة التقوى و العبودية، و إلهك و معشوقك متوجه إليك من سماء عظمته، ناظر إليك ليجذبك بجذبة ارجعي.
و إنك بعد ما توجهت إليه بقلبك فلا عبرة بما تقوله بلسانك: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» مع عدم موافقة الباطن و هو وجهك الحقيقي، لأنك مشغول بجميع أسباب اللهو و اللعب و الهزل، مستغرق القلب بعمارة أرض بدنك، و تحصيل أرض أخرى، و تزيين ترابك الذي يخصّك باضافة تراب آخر إليه، و جمعه و ادّخاره بعد تلوينه أو تصييره بكثرة الحيل في المعاملات، أو المداهنة في المعاشرات أو الدغل في الصناعات، بتزويج ما كسد و إصلاح ما فسد، حتى صار ترابك ذهبا و فضة، و ما هما إلا ترابان ملوّنان بالصفرة و البياض، بتعمّل طبيعى أو صناعي، إما في نفسها أو في تعميلك و تحصيلك لصورتهما، أو أخذك لهما من الناس بسبب الاستيناس بهم و المداراة معهم، و ذلك كله علامة الإفلاس، و جميع ذلك خدمة منك لفاسق و ظالم جاحد. و طاعة لشيطان مارد من الدواعي الشهوية أو الغضبية أو الوهمية، فأول علامة من ارتفع عن هذا الأدنى، و خلص عن حجاب المشتغلين بالدنيا أن ينكشف عليه معرفة الحروف المنفصلة القرآنية و كيفية نزولها، كما رمز إليه تعالى بقوله: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [٢٨/ ٥١] إلى هذا القوم، و أشار